- الأخبار الأثرية
-
منظر جوي لمنطقة الدراسة قرب قرية الثمد في حرة خيبر، يُظهر المشهد البازلتي ومنخفضات الطمي المحيطة التي تحتفظ بالمياه بعد هطول الأمطار.
حقوق الصورة:
Kennedy et al., PLOS One (2026)
مستطيلات خيبر تكشف عن طقوس مشتركة امتدت عبر شمال شبه الجزيرة العربية
كشفت حفريات أثرية في منشآت «المستطيلات» الحجرية الضخمة في حرة خيبر شمال غربي السعودية عن أدلة جديدة على وجود تقاليد للطقوس انتشرت بشكل واسع في العصر الحجري الحديث، حيث ارتبطت بتقديم قرابين وتضحيات مختارة من الحيوانات، ولا سيما الأبقار. وتمثل هذه الأعمال أول عملية تنقيب أثري في مستطيلات حرة خيبر، حيث تم التعرف على أكثر من 400 من هذه المنشآت، ما يتيح للمرة الأولى مقارنتها بصورة مباشرة بالمستطيلات التي سبق التنقيب عنها في منطقة العلا.
وسُميت هذه المنشآت بـ«المستطيلات» بسبب مخططها العام، إذ تتكون عادة من منصة عند أحد الطرفين وأخرى عند الطرف المقابل، تربط بينهما جدران طويلة تحيط بساحة مفتوحة. وقد جرى حتى الآن التعرف على أكثر من 1600 مستطيل في شمال الجزيرة العربية. ونظراً لضخامة حجمها وطرازها المعماري الفريد وما تحويه من بقايا حيوانية مُنتقاة بعناية، فقد رجّح علماء الآثار أنها منشآت ذات طابع مرتبط بالطقوس وليست مجرد مساكن أو منشآت مخصصة للحياة اليومية.
وتركزت الأعمال الجديدة في مجموعة تضم 28 مستطيلاً تقع على بعد نحو 7.5 كيلومترات جنوب شرقي بلدة الثمد، ضمن المشهد البركاني لحرة خيبر. وقد جرى مسح جميع المنشآت، مع تنفيذ حفريات اختبارية في ثلاثة منها. وتقع معظم هذه المعالم فوق هضاب بازلتية تطل على منخفضات رسوبية للطمي تحتفظ بالمياه بعد هطول الأمطار، وهو موقع كان يوفر موارد مهمة للمجتمعات الرعوية القديمة.
ومن أبرز النتائج كان التنوع المعماري الواضح في مستطيلات خيبر. فقد حددت الدراسة أربعة أنماط مختلفة، مع بقاء الشكل العام للمستطيل واضحاً. فبعض المنشآت اتبع المخطط المستطيل المعروف، بينما ضمت أخرى صفوفاً من الأعمدة الحجرية أو حجرات بيضوية أو قواعد هلالية الشكل. كما احتوى أحد الأمثلة الأكثر تعقيداً على أنفاق ضيقة يقل ارتفاعها وعرضها عن متر واحد أمام المدخل، بحيث كان على الداخلين الزحف عبرها للوصول إلى داخل المنشأة. ولا يزال الهدف الدقيق من هذا التصميم غير محسوم، لكنه يوضح أن الدخول إلى بعض المستطيلات كان منظماً بعناية ويتطلب جهداً جسدياً واضحاً.
ورغم هذا التنوع المعماري، بدت الرواسب الحيوانية داخل المنشآت متشابهة بدرجة لافتة. فقد هيمنت بقايا الحيوانات المجترة ذات القرون، وخاصة الأبقار المستأنسة، على المواد التي جرى استخراجها أو جمعها من السطح. وجاء معظم ما أمكن التعرف عليه من الأجزاء العليا للجمجمة، ولا سيما الأسنان وعظام القحف، في حين غابت عظام الفك السفلي بصورة ملحوظة. ويختلف هذا الانتقاء الواضح عن مخلفات الطعام اليومية، ويتشابه بصورة كبيرة مع المكتشفات التي سبق رصدها داخل مستطيلات العلا.
وبشكل عام، جمع الباحثون في المجمل 681 بقايا حيوانية من عشرة مستطيلات، منها 638 قطعة من المنشآت الثلاث التي خضعت للحفر. وكانت حالة الحفظ ضعيفة عموماً، إلا أن الأبقار شكلت أكبر مجموعة أمكن تحديدها. وفي إحدى الحجرات الصغيرة نسبياً، مثّلت البقايا ما لا يقل عن خمسة أبقار، ما يشير إلى أن القرابين وضعت بكثافة داخل مساحة محدودة. كما عُثر على بقايا حيوانات صغيرة مجترة (مثل الأغنام والماعز)، مما يوضح أن النشاط الطقوسي لم يقتصر حصراً على الأبقار.
وتضع نتائج التأريخ بالكربون المشع معظم مستطيلات الثمد التي شملتها الدراسة في الألفية الخامسة قبل الميلاد. فقد أعطى أحد المستطيلات المؤرخة نطاقاً يقارب 4796–4620 ق.م، بينما كشف مستطيل آخر عن مرحلتين لتقديم قرابين الحيوانات تعودان تقريباً إلى 4696–4539 ق.م و4537–4365 ق.م، في حين أُرخ مستطيل ثالث إلى نحو 4709–4547 ق.م. كما جاءت عينة سطحية أحدث بكثير من منشأة أخرى من أوائل الألفية الرابعة قبل الميلاد، وقد تمثل إيداعاً طقوسياً أو استخداماً لاحقاً بعد انتهاء المرحلة الرئيسية لهذا التقليد.
وتكتسب هذه التواريخ أهمية خاصة لأن أمثلة خيبر تبدو، وفق البيانات المتاحة حالياً، أحدث من أقدم المستطيلات المعروفة في العلا. وعند النظر إلى المنطقتين معاً، يتبين أن هذا التقليد الرئيسي ربما استمر لما يقرب من ألف عام، أي بصورة عامة بين نحو 5300 و4400 ق.م. وتطرح النتائج احتمال ظهور التقليد أولاً في منطقة تقع إلى الشمال الغربي قبل وصوله لاحقاً إلى حرة خيبر، إلا أن العدد المحدود من المنشآت التي خضعت للتنقيب حتى الآن لا يسمح بتحديد موطن نشأته بصورة قاطعة.
وتبرز أهمية النتائج بصورة أكبر عند مقارنة خيبر بالعلا. ففي كلتا المنطقتين ارتبطت المنشآت الحجرية الضخمة بإيداع طقوسي متعمد لأجزاء مختارة من الحيوانات ذات القرون، ولا سيما الأبقار. ويشير هذا التشابه بين العمارة والممارسة الطقوسية المتكررة إلى أن المستطيلات ربما عبرت عن مفهوم احتفالي أو طقوسي مشترك انتشر على مساحة واسعة من شمال الجزيرة العربية.
وفي الوقت نفسه، تكشف مستطيلات خيبر أن هذه التقاليد لم تكن جامدة من الناحية المعمارية. فقد عدلت المجتمعات المحلية شكل المنشآت بما يتناسب مع المواد المتاحة وطبيعة المشهد وربما طرق تنظيم الدخول والمشاركة، مع استمرار ممارسات متشابهة في تقديم الحيوانات. وهكذا تقدم المستطيلات دليلاً ليس فقط على بناء منشآت ضخمة في عصور قديمة جداً، بل أيضاً على انتقال الأفكار الطقوسية المشتركة بين المجتمعات الرعوية المتنقلة قبل آلاف السنين من ظهور المجتمعات الحضرية اللاحقة في المنطقة.
تاريخ النشر: 22-09-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: PLOS One