- الأخبار الأثرية
-
منظر جوي لنظام القنوات والحقول المرتفعة القديم في منطقة لا موخانا بكولومبيا.
حقوق الصورة:
Nicolás Jiménez, Vieri et al., Communications Sustainability (2026)
المنشآت المائية لحضارة زينو القديمة تكشف قوة العمل الجماعي
تشير دراسة أثرية جديدة لأنظمة الحقول المرتفعة في شمال كولومبيا، والتي تعود إلى ما قبل الحقبة الإسبانية، إلى أن واحداً من أضخم المشاهد المائية القديمة في المنطقة ممكن أن يكون قد تم بناؤه وصيانته بواسطة المجتمعات المحلية، وذلك من دون الحاجة إلى سلطة مركزية تدير العمل.
ففي منطقة لا موخانا، وهي أرض منخفضة تتعرض للفيضانات الموسمية في منطقة الكاريبي الكولومبية، أنشأت المجتمعات القديمة شبكات واسعة من القنوات والحقول الزراعية المرتفعة المعروفة باسم «كاميلونيس». حيث تمتد هذه الأنظمة اليوم على مساحة تتجاوز 500 ألف هكتار، وترتبط عادة بثقافة زينو الأثرية (Zenú)، وهي حضارة متطورة من فترة ما قبل كولومبوس، نشأت في شمال كولومبيا. واللافت، أن هذه الأنظمة المائية استمر استخدامها منذ القرون الأخيرة قبل الميلاد حتى نحو القرنين العاشر أو الحادي عشر للميلاد.
وقد أدت هذه الشبكات وظائف متعددة. فقد ساعدت القنوات على توزيع مياه الفيضانات والرواسب الخصبة، بينما سمحت الحقول المرتفعة بزراعة المحاصيل فوق مستوى المياه خلال موسم الأمطار. وربما ساهمت المجاري المائية أيضاً في نقل الأسماك من المستنقعات الدائمة إلى مناطق أقرب من المستوطنات.
وبسبب المساحة الهائلة لهذه المنشآت وانتظام تخطيطها، فقد تم تفسيرها تقليدياً بوصفها مشروعات هندسية ضخمة تتطلب إدارة مركزية وسلطة قادرة على تنظيم أعداد كبيرة من العمال. لكن الدراسة الجديدة تتحدى هذا التفسير.
فقد حلل الباحثون منطقة تبلغ مساحتها نحو 500 هكتار في سان ماركوس بمقاطعة سوكري، وأعدوا خرائط رقمية تفصيلية لـ1,601 حقل مرتفع و63 منصة سكنية مرتفعة. وجمعوا بين صور الأقمار الصناعية وبيانات الارتفاعات عالية الدقة والتحليل المكاني والمعلومات الأثرية لتقدير كمية التربة التي كان ينبغي نقلها أثناء البناء.
وقُسمت المنشآت إلى أربعة أنواع رئيسية بحسب الطول والاتجاه. حيث يبدو أن القنوات والتلال الأطول كانت أكثر أهمية في توجيه المياه بين مناطق السكن والمسطحات المائية، بينما ارتبطت المنشآت الأقصر على الأرجح بالزراعة وإدارة توزيع المياه محلياً.
وتشير تقديرات السكان المستندة إلى المنصات المخصصة للسكن إلى احتمال وجود نحو 1,600 نسمة في المنطقة المدروسة. وافترض الباحثون بصورة متحفظة أن نصفهم فقط، أي نحو 800 شخص، شاركوا في أعمال البناء.
كما وأظهرت الحسابات أن حجم العمل كان أقل بكثير مما قد يوحي به اتساع الموقع. فقد كان بإمكان قوة عاملة تضم 800 شخص بناء شبكة القنوات والحقول كاملة في مدة تتراوح بين 0.7 و1.5 شهر فقط، أي في أقل من نصف موسم الجفاف المحلي الذي يستمر عادة بين ثلاثة وأربعة أشهر.
ومع ذلك، كانت بعض المنشآت الكبيرة تتجاوز قدرة الأسرة الواحدة. حيت إن أكبرها، الذي تطلب نقل نحو 1,951 متراً مكعباً من التربة، كان سيحتاج إلى ما بين 78 و156 يوماً من العمل لأسرة من خمسة أفراد. أما قوة عاملة قوامها 800 شخص، فكان بإمكانها إنجازه في أقل من نصف يوم. وفي المقابل، كان من الممكن للأسرة الواحدة بناء كثير من الحقول والتلال الأصغر خلال بضعة أيام فقط.
ويشير هذا النمط إلى شكل مرن من تنظيم العمل. فمن المرجح أن منشآت إدارة المياه الأكبر حجماً تطلبت تعاون عدة أسر، بينما كان من الممكن بناء أو تعديل المنشآت الزراعية الأصغر بشكل مستقل. وبمجرد إنشائها، كان من الممكن تجديد النظام بأكمله مرة كل جيل مقابل بضعة أيام فقط من العمل الجماعي سنوياً.
والجدير ذكره هنا، أن هذه النتائج تشكك بالافتراض القائل إن المشروعات الأثرية واسعة النطاق تعكس بالضرورة سلطة سياسية مركزية. حيث كشفت الدراسة أن شبكات لا موخانا ربما نشأت من خلال تعاون المجتمعات المحلية وتنظيم العمل على مستويات مختلفة.
وقد يكون لهذه التقنية القديمة أهمية في العصر الحديث أيضاً. فلا تزال لا موخانا تُعاني من دورات حادة من الفيضانات والجفاف، في حين أخفقت بعض السدود الحديثة في السيطرة على المياه في بعض الأحيان.
أما النظام القديم فكان يتعامل مع الفيضانات بطريقة مختلفة، فبدلاً من محاولة منعها، كان يعيد توزيع المياه ويتكيف معها، ويوفر أسطحاً صالحة للزراعة خلال الفيضانات ويحتفظ بالمياه خلال الفترات الجافة.
واليوم، بدأت بالفعل بعض المبادرات المحلية الصغيرة في إحياء جوانب من هذه الممارسات القديمة. حيث تشير الدراسة إلى إمكانية تطبيقها على نطاق أوسع، مع قيام الدولة بتوفير الدعم التقني والقانوني والمالي، بينما تتولى المجتمعات نفسها تنظيم البناء والصيانة.
وهكذا لا تمثل منشآت حضارة زينو إنجازاً أثرياً فحسب، بل تقدم مثالاً على قدرة العمل الجماعي المحلي منخفض التكلفة على إنشاء نظم مستدامة واسعة النطاق، وربما تحمل دروساً مفيدة لإدارة المياه في منطقة الكاريبي الكولومبية اليوم.
تاريخ النشر: 11-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Communications Sustainability