- الأخبار الأثرية
-
المشهد الطبيعي الحديث لنهر إبراهيم في لبنان، وهو أحد المواقع التي شملتها الدراسة.
حقوق الصورة:
OadrienvalentineG, CC BY-SA 3.0, via Wikimedia Commons
ساحل لبنان وفر ملاذاً مستقراً للإنسان القديم على مدى 300 ألف عام
تكشف البصمات الكيميائية المحفوظة في أسنان حيوانات متحجرة عثر عليها في ثلاثة مواقع أثرية في لبنان عن صورة جديدة للبيئات التي واجهتها الجماعات البشرية القديمة أثناء تحركها عبر بلاد الشام. حيث تشير النتائج إلى أن الساحل اللبناني حافظ على مشاهد طبيعية مستقرة نسبياً وغنية بالموارد طوال مئات آلاف السنين، حتى في الفترات التي شهدت فيها المناطق المجاورة تغيرات مناخية كبيرة.
وكما هو معروف فقد شكّل الممر الشامي أحد أهم المعابر البرية بين أفريقيا وأوراسيا خلال عصر البليستوسين، حيث كان له الدور الرئيسي في تحركات العديد من الجماعات البشرية، بما في ذلك التوسعات اللاحقة للإنسان العاقل. ومع ذلك، فإن معظم ما نعرفه عن المناخ القديم في المنطقة يأتي من جنوب بلاد الشام، بينما ظلت الظروف المناخية في المناطق الشمالية، وخاصة على طول الساحل اللبناني، أقل وضوحاً.
ولمعالجة هذه الفجوة، قام الباحثون بتحليل نظائر الكربون والأكسجين المحفوظة في مينا الأسنان التي تعود لحيوانات عاشبة من مواقع الناعمة ونهر إبراهيم ورأس الكلب. حيث تمتد المجموعات الأثرية المدروسة بصورة أساسية بين نحو 400 ألف و100 ألف سنة مضت، وتضم حيوانات مثل الثور البري والأبقار البرية القديمة والماعز البري والأيل الأحمر والأيل الأسمر الفارسي ووحيد القرن وفرس النهر وأحد الحيوانات من فصيلة الخيليات. وبما أن مينا الأسنان تتشكل تدريجياً، فإن تركيبها الكيميائي يحتفظ بمعلومات عن النباتات التي تناولتها الحيوانات والمياه التي شربتها والتغيرات الموسمية التي مرت بها خلال حياتها.
وقد أظهرت نتائج نظائر الكربون أن الحيوانات اعتمدت بصورة شبه كاملة على نباتات من نوع C3، وهي المجموعة النباتية المرتبطة عادة بالغابات والأحراج والشجيرات والبيئات المعتدلة. لكن المشهد في الساحل اللبناني لم يكن عبارة عن غابة متجانسة، بل كان مشهداً متنوعاً إلى حد كبير. ففي موقع الناعمة، تشير البيانات إلى خليط من رقع الغابات الأكثر كثافة، والأحراج شبه المفتوحة، والمناطق المفتوحة المغطاة بالشجيرات. واللافت، أن الأنواع المختلفة استغلت أجزاء مختلفة من هذه البيئة، إذ ارتبطت بعض الأيائل بمواضع أكثر ظلاً، بينما تغذت الأبقار البرية وبعض الحيوانات الكبيرة في مناطق أكثر انفتاحاً أو في بيئات مختلطة.
ويبدو أن هذا التنوع البيئي استمر عبر الفترات التي شملتها الدراسة رغم التعاقب الكبير بين المراحل الجليدية والدافئة. فقد سجلت نظائر الأكسجين في الأسنان دورات موسمية منتظمة تشبه النمط المتوسطي المعروف، حيث الشتاء البارد والرطب والصيف الدافئ والجاف. ورغم اختلاف الظروف من فترة إلى أخرى، بقي الإيقاع العام للتغير بين الصيف والشتاء مستقراً بدرجة لافتة.
كما تشير تقديرات الأمطار القديمة إلى ظروف معتدلة أو رطبة نسبياً في معظم الفترات. فقد جاءت تقديرات نهر إبراهيم ورأس الكلب قريبة من معدلات الهطول الحديثة على الساحل اللبناني، في حين تشير طبقات الناعمة المرتبطة بالفترة بين الجليدية الأخيرة إلى أمطار أعلى. وفي الوقت نفسه، يبدو أن نهر إبراهيم كان أكثر جفافاً نسبياً من الناعمة، ما يوضح أن الاستقرار الطويل لا يعني ثبات الظروف المناخية تماماً.
وتظهر تقديرات الحرارة الصورة نفسها. حيث نشاهد تغيرات واضحة من دون حدوث انهيار في الاستمرارية البيئية العامة. فقد سجل نهر إبراهيم متوسطات سنوية قريبة من الظروف الساحلية الحالية، بينما كان رأس الكلب أبرد نسبياً، في حين تبدو الناعمة خلال الفترة بين الجليدية الأخيرة أكثر دفئاً. ومع ذلك، يرى الباحثون أنه ينبغي التعامل بحذر مع بعض هذه التقديرات بسبب محدودية أعداد العينات. ويشير الباحثون أيضاً إلى أن أحد الأسنان المكتشفة يعود إلى فترة أحدث بكثير من الناعمة، وتحديداً إلى نحو 18 ألف سنة مضت، حيث سجل بدوره ظروفاً أبرد وأكثر جفافاً خلال العصر الجليدي الأخير.
وتعزز المجتمعات الحيوانية نفسها صورة التنوع البيئي طويل الأمد. فقد حافظت الأنواع المختلفة على أنماط غذائية وبيئية متميزة عبر عدة دورات مناخية. وبين نحو 400 ألف و100 ألف سنة مضت، ربما كان الساحل اللبناني أقرب إلى فسيفساء متوسطية معتدلة تضم غابات رطبة وممرات نهرية وأراضي مفتوحة تملؤها الشجيرات، بدلاً من المشاهد الطبيعية الأكثر انفتاحاً وتقلباً التي سجلتها عدة مواقع في جنوب بلاد الشام خلال الفترات نفسها.
وكان لهذا الاستقرار أهمية مباشرة بالنسبة للجماعات البشرية القديمة. فموقعا رأس الكلب ونهر إبراهيم يرتبطان بوجود بشري خلال البليستوسين الأوسط، بينما يوثق موقع الناعمة حضوراً بشرياً لاحقاً خلال الفترة بين الجليدية الأخيرة. وبشكل عام يمكن القول أن المناظر الطبيعية التي تتميز بوفرة المياه والنباتات والفرائس وفرت فرصاً متكررة للاستيطان والتنقل على طول شرق البحر المتوسط.
وتشير النتائج في مجملها إلى أن ساحل لبنان عمل كملاذ بيئي داخل الممر الشامي الأوسع. فلم يكن مجرد معبر بين القارات، بل يبدو أنه وفر مراراً بيئة مستقرة نسبياً وموارد يمكن الاعتماد عليها، ما ساعد الجماعات البشرية على الاستقرار والتحرك عبر شرق المتوسط على مدى مئات آلاف السنين.
تاريخ النشر: 16-09-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية