- الأخبار الأثرية
-
تواريخ جديدة تعيد كتابة قصة البشر الأوائل في آسيا الوسطى
وضعت دراسة جديدة أول إطار زمني مطلق ومفصل لثقافة كاراتاو من العصر الحجري القديم المبكر في طاجيكستان، حيث قدمت أدلة هامة على وجود البشر الأوائل واستمرارهم في آسيا الوسطى خلال العصر البليستوسيني الأوسط.
لطالما كان الباحثون يعتبرون آسيا الوسطى ممراً رئيسياً لتحركات البشر الأوائل بين بلاد الشام والقوقاز وشمالي الصين وسيبيريا. إلا أن فهمهم لدور المنطقة في الهجرات البشرية القديمة ظل محدوداً، نظراً لافتقار العديد من أقدم المواقع الأثرية هناك إلى تواريخ مطلقة وموثوقة.
لذلك تركز الدراسة على هضبة خوفالينغ اللوسية في جنوبي طاجيكستان، حيث تحفظ الرواسب السميكة التي حملتها الرياح مجموعة من الطبقات المتعاقبة من اللوس أو الراسب الطفالي، إلى جانب التربة القديمة. حيث تحتوي بعض هذه الترب الأحفورية على تجمعات كبيرة من الأدوات الحجرية المنسوبة إلى ثقافة كاراتاو.
وقد حلل الباحثون ثلاثة مقاطع رسوبية رئيسية في مواقع أوبي مزار وكولدارا وخوناكو 2. وجمعوا بين 286 تاريخاً باستخدام تقنية التألق الضوئي، وقياسات النظائر الكونية (الألومنيوم-26 والبيريليوم-10)، والأدلة المغناطيسية القديمة، كل ذلك ضمن نماذج من الاحتمالات تربط بين العمق والعمر. وقد أتاح هذا النهج متعدد الوسائل تأريخ الطبقات الأثرية بدقة أكبر بكثير من السابق.
وأشارت النتائج إلى أن ثقافة كاراتاو ظهرت قبل نحو 580 ألف سنة، وازدهرت خلال عدة فترات دافئة أتت بين أخرى جليدية، واستمرت حتى نحو 400 ألف سنة مضت. وترتبط الطبقات الأثرية الرئيسية بمراحل النظائر البحرية 15 و13 و11، ما يشير إلى استمرار هذا التقليد لصناعة الأدوات الحجرية مدة تراوحت بين نحو 200 و250 ألف سنة.
وفحصت الدراسة 3534 قطعة حجرية من عدة طبقات ومواقع أثرية. حيث اشتملت التجمعات على أدوات قاطعة كبيرة، ومكاشط بسيطة، وأدوات مسننة ومحززة، وأدوات أحادية الوجه، ورقائق مشذبة، وأحجار طرق، وأدوات ثقب. وغالباً ما كانت الأدوات تُصنع من حصى الأنهار باستخدام طرق تشذيب بسيطة نسبياً، منها التشكيل الشعاعي والتشكيل أحادي الاتجاه.
وعلى الرغم من امتداد هذه التجمعات عبر عدة فترات بين جليدية، أظهرت الأدوات درجة كبيرة من الاستقرار التقني. ولم يجد الباحثون دليلاً قوياً على حدوث تحول تدريجي من تقنيات العصر الحجري القديم المبكر إلى تقنيات العصر الحجري القديم الأوسط ضمن تسلسل كاراتاو. وبدلاً من ذلك، يبدو أن الثقافة حافظت على تقليد شبه ثابت في صناعة الأدوات خلال فترة زمنية طويلة جداً.
ويبدو أن الظروف البيئية قد أثرت بشكل كبير على الاستيطان البشري. فخلال الفترات بين الجليدية الأكثر دفئاً ورطوبة، ربما كانت المنطقة تضم غابات وموائل أكثر ملاءمة للحيوانات والبشر. كما كانت البقايا الأثرية أكثر وفرة بكثير داخل طبقات التربة القديمة مقارنة بالرواسب الجليدية الباردة والجافة التي فصلت بينها.
ويشير شبه غياب الأدوات خلال بعض الفترات الجليدية إلى أن منطقة خوفالينغ هُجرت إلى حد كبير عندما أصبحت الظروف أكثر برودة وجفافاً. حيث اختفت ثقافة كاراتاو مع بداية مرحلة النظائر البحرية 10، ولم تعد خلال الفترة بين الجليدية اللاحقة.
ويرى الباحثون أن التغير في موسمية الأمطار والغطاء النباتي ربما أسهم في هذا الاختفاء. فقد يكون التحول من نظام هطول تهيمن عليه الأمطار الصيفة إلى نظام يعتمد بصورة أكبر على أمطار الشتاء قد غيّر النظم البيئية وأعداد الحيوانات والموارد المتاحة للبشر الأوائل.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الأدوات الحجرية تعد الدليل المباشر الوحيد على أشباه البشر المرتبطين بثقافة كاراتاو، لأن رواسب اللوس لم تحفظ أية بقايا بشرية أو حيوانية. ومع ذلك، قد تشير بعض المؤشرات الحيوية الكيميائية التي عُثر عليها قرب بعض المواقع الأثرية إلى وجود نشاط متكرر للنيران. ويثير هذا النمط احتمال استخدام البشر الأوائل للنار وربما تأثيرهم في الغطاء النباتي المحلي، لكن الباحثين يؤكدون أن الاستخدام المعتاد للنار لا يمكن إثباته بشكل قاطع حتى الآن.
واللافت، أن الدراسة تقدم تواريخ جديدة لآثار بشرية أقدم موجودة في موقع كولدارا. حيث تشير التقديرات الحالية إلى أن القطع الأثرية الحجرية المتناثرة من الطبقات العميقة تعود إلى حوالي 930 ألف عام، مما يجعلها أقدم دليل مؤرخ بدقة على وجود الإنسان البدائي أو أشباه البشر في آسيا الوسطى.
ولا يزال أصل صانعي أدوات كاراتاو غير واضح. فتقنياتهم الحجرية تختلف عن العديد من التقاليد الأشولية المعاصرة في المناطق المحيطة. حيث توجد بعض أوجه التشابه مع صناعات حجرية في الصين، مثل استخدام الأدوات الحصوية والتقشير على الشكل الشعاعي، إلا أن الأدلة الحالية لا تكفي لإثبات وجود صلة ثقافية مباشرة.
لكن الأهم أن الدراسة تقدم أساساً زمنياً موثوقاً لدراسة العصر الحجري القديم المبكر في آسيا الوسطى. وتُظهر أن الإنسان البدائي استوطن جنوب طاجيكستان مراراً وتكراراً خلال الفترات المناخية المواتية، وحافظ على تقاليد تقنية مستقرة لمئات الآلاف من السنين.
تاريخ النشر: 03-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Nature Communications