- الأخبار الأثرية
-
مساكن مُعاد بناؤها من فترة جومون في محافظة آوموري باليابان.
حقوق الصورة:
663highland, CC BY-SA 3.0, via Wikimedia Commons
الحمض النووي لشعب جومون يكشف تكيفاً وراثياً مع برودة العصر الجليدي
كشفت دراسة جينومية واسعة شملت جماعات الصيادين وجامعي الثمار في اليابان القديمة عن أدلة تشير إلى أن أسلاف شعب جومون طوروا تكيفات وراثية ساعدتهم على تحمل البرودة الشديدة خلال الذروة الأخيرة للعصر الجليدي.
وفي سبيل ذلك، حلل الباحثون جينومات 42 فرداً من شعب جومون من مناطق مختلفة في الأرخبيل الياباني، بينها 25 جينوماً جرى تحديد تسلسلها في الدراسة الجديدة و17 جينوماً سبق نشرها. وأظهرت النتائج أن شعب جومون ورثوا جزءاً كبيراً من أصولهم من جماعة بشرية معزولة عاشت في شرق أوراسيا خلال العصر الحجري القديم الأعلى وواجهت الظروف المناخية القاسية للعصر الجليدي.
لقد عاش شعب جومون في الأرخبيل الياباني بين نحو 16 ألفاً و3 آلاف عام مضت. وتشير الدراسة إلى أن أسلافهم الأقدم انفصلوا وراثياً عن سكان شرق أوراسيا القاريين قبل نحو 27 ألفاً إلى 19 ألف عام، وذلك خلال العصر الحجري القديم الأعلى وبالتزامن تقريباً مع الذروة الأخيرة للعصر الجليدي.
وربما ساهمت فترة العزلة هذه في تطور السلالة الجينية المميزة لحضارة جومون. فبعد العصر الجليدي، ساهمت مجموعات سكان العصر الحجري القديم الأعلى الباقية في الأرخبيل في ظهور ثقافة جومون بعد تحسن الظروف البيئية والمناخية.
كما كشفت البيانات عن وجود تواصل وراثي محدود مع جماعات عاشت في مناطق أبعد شمالاً. فرغم أن معظم أصول شعب جومون ترتبط بمسار هجرة جنوبي إلى شرق آسيا، رصد الباحثون مساهمة جينية وراثية محدودة من جماعات سيبيرية شمالية من العصر الحجري القديم الأعلى.
ويتوافق ذلك بصورة عامة مع الأدلة الأثرية التي تظهر تشابهاً بين بعض تقنيات صناعة الأدوات الحجرية ذات الشفرات أو الأنصال في اليابان القديمة ونظيراتها في شمال أوراسيا.
وقدمت الدراسة أيضاً صورة جديدة للتغيرات السكانية القديمة في هوكايدو. حيث تشير النتائج إلى أن جماعات شعب جومون التي عاشت هناك لاحقاً لم يكونوا من نسل سكان العصر الحجري القديم الأعلى في الجزيرة. بدلاً من ذلك، تدعم الأدلة الجينية فرضية حدوث استبدال سكاني، حيث هاجرت مجموعات جومون، التي نشأت في هوندو (الجزر اليابانية الرئيسية باستثناء هوكايدو)، شمالاً خلال عصر الهولوسين. ولهذا ربما يمثل سكان هوكايدو الأقدم «جماعة شبحية» تركت أثراً وراثياً مباشراً محدوداً أو معدوماً في مجتمعات جومون اللاحقة.
ويترك هذا الاكتشاف سؤالاً مفتوحاً حول تحركات البشر القديمة باتجاه الأمريكتين. وعلى الرغم من أن الدراسة لا تؤكد أن سكان هوكايدو في العصر الحجري القديم الأعلى ساهموا في نشأة سكان أمريكا الأوائل، لكنها تُشير إلى أنه لم يتم استخلاص البيانات الجينومية من هذه المجموعة السكانية السابقة حتى الآن.
وفحص الباحثون أيضاً أصول إنسان دينيسوفان في جينومات شعب جومون. وكشفت النتائج عن مقاطع وراثية مشتقة من الدينيسوفان تشبه تلك الموجودة لدى جماعات أخرى في شرق آسيا، من دون دليل على حدوث تزاوج مستقل بين شعب جومون والدينيسوفان.
بدلاً من ذلك، يُرجح الباحثون أن هذه الأصول الوراثية قد انتقلت من جماعة أقدم كانت مشتركة بين أسلاف شعب جومون وغيرهم من سكان شرق آسيا قبل أن تنعزل سلالة جومون.
لكن أبرز نتائج الدراسة تتعلق بالتكيف مع المناخ البارد. فقد حمل شعب جومون نسباً مرتفعة نسبياً من متغيرات جينية وراثية مرتبطة بإنتاج حرارة الجسم دون ارتجاف العضلات وارتعاشها، إضافة إلى متغيرات مرتبطة بالإحساس بالبرد، ومن بينها جينات UCP1 وTRPM8.
كما ظهرت إشارات للانتقاء الطبيعي في مناطق وراثية مرتبطة بتخزين الدهون واستقلابها، ولا سيما FTO وAPOA5. وترتبط هذه الجينات بالنسيج الدهني البني الذي يستطيع حرق الطاقة المخزنة لإنتاج الحرارة.
وتشير النتائج إلى أن تكيف أسلاف شعب جومون مع البرودة لم يعتمد فقط على تخزين الدهون، بل أيضاً على آليات بيولوجية تساعد الجسم على تحويلها إلى حرارة بكفاءة.
ووجد الباحثون أيضاً أوجه تشابه بين شعب جومون وشعب الإنويت في الجينات المرتبطة باستقلاب الأغذية الغنية بالدهون. وتدعم الأدلة الأثرية هذه الصورة، إذ تم الكشف عن آثار لاستخدام الموارد البحرية والمياه العذبة في فخار شعب جومون المؤرخ بين نحو 15 ألفاً و11,800 عام مضت.
ويشير الجمع بين الأدلة الوراثية والأثرية إلى أن الاعتماد على الأغذية المائية الغنية بالبروتين والدهون ربما تكامل مع التكيفات الجسمانية لمواجهة البرد.
ويقترح الباحثون أن هذه التكيفات تراكمت تدريجياً مع تحرك جماعات العصر الحجري القديم الأعلى نحو الشمال ومواجهتها مناخاً أشد برودة. وربما كانت بعض المتغيرات المفيدة موجودة قبل الانتقال إلى المناطق الباردة، بينما ازداد انتشار متغيرات أخرى خلال الذروة الأخيرة للعصر الجليدي.
وهكذا، تقدم الدراسة واحداً من أوائل الأطر الجينومية القديمة لفهم كيفية تكيف سكان شرق أوراسيا في العصر الحجري القديم الأعلى بيولوجياً مع ظروف العصر الجليدي، وتكشف أيضاً عن إرث وراثي استمر لدى شعب جومون اللاحقين، ولا تزال بعض آثاره موجودة حتى يومنا هذا بين سكان اليابان.
تاريخ النشر: 13-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Science Advances