- الأخبار الأثرية
-
نعجة وحمل في البيئة السورية، في مشهد يعكس تقاليد تربية الأغنام العريقة في المنطقة.
حقوق الصورة:
Ed Brambley, CC BY-SA 2.0, via Wikimedia Commons
هل ساعدت الأغنام والماعز في تشكيل أولى المدن في العالم؟
تطرح دراسة أثرية جديدة لموقع حمّوكار في شمال شرق سوريا رؤية مختلفة لبدايات التحضر، إذ تشير إلى أن نشأة المدن ربما لم تكن نتيجة للعلاقات البشرية وحدها، بل تأثرت أيضاً بسلوك القطعان الكبيرة من الأغنام والماعز، وبطريقة تنظيمها الاجتماعي وتفاعلها اليومي مع البشر.
وتنطلق الدراسة من منظور يُعرف بـعلم آثار الحيوان الاجتماعي، وهو اتجاه لا ينظر إلى الحيوانات باعتبارها مجرد مصدر للحوم والحليب والصوف والعمل، بل يبحث أيضاً في الدور الذي لعبته العلاقات بين الإنسان والحيوان في تشكيل المجتمعات والأماكن التي عاش فيها الطرفان.
ومن هذا المنطلق، يكتسب موقع حمّوكار أهمية خاصة. فهو أحد أقدم التجمعات السكانية الكبيرة في شمال بلاد الرافدين، ويقع في شمال شرق سوريا. وقد شهد خلال المرحلتين الأولى والثانية من العصر النحاسي المتأخر، بين نحو 4500 و3900 قبل الميلاد، نمطاً واسعاً ومتفرقاً من الاستيطان.
كان الامتداد الجنوبي للموقع يغطي نحو 300 هكتار، وهو حجم استثنائي بالنسبة إلى تلك الفترة، حين كانت معظم المستوطنات في شمال بلاد الرافدين أصغر بكثير. لكن أهمية موقع حمّوكار لا تتعلق بحجمه وحده. فقد كان الموقع مرتبطاً أيضاً بشبكات تبادل بعيدة المدى، إذ كان نحو 97 بالمئة من الأدوات الحجرية المشظاة في هذه المرحلة مصنوعاً من السبج (حجر بركاني)، وجاء معظم هذا الحجر من منطقة قرب بحيرة وان في تركيا الحالية، على مسافة تقارب 240 كيلومتراً.
وقد دفع ذلك بعض الباحثين سابقاً إلى اقتراح أن أجزاء من موقع حمّوكار ربما استُخدمت موسمياً من قبل جماعات رعوية متنقلة شاركت في تجارة حجر السبج. وتدعم هذا التصور بقايا منشآت مؤقتة محتملة وحظائر للحيوانات، إلى جانب الطبيعة المتفرقة للاستيطان في الموقع.
وهنا تضيف دراسة العظام الحيوانية بعداً جديداً إلى الصورة، لأنها تشير إلى أن الرعي ربما لم يكن مجرد نشاط اقتصادي جانبي، بل كان جزءاً أساسياً من طبيعة الاستيطان نفسه.
فقد شمل التحليل 6,584 عظمة وشظية عظمية من الامتداد الجنوبي لحمّوكار، وأظهر أن الأغنام والماعز كانت تهيمن بوضوح على مجموعة الثدييات المكتشفة.
وشكلت هذه الحيوانات نحو 82.7 بالمئة من الأنواع الرئيسية التي أمكن تحديدها خلال المرحلة الأولى من العصر النحاسي المتأخر، و84.9 بالمئة خلال المرحلة الثانية، وهي نسب تتجاوز ما سُجل في معظم المواقع المعاصرة في المنطقة. كما كان عدد الأغنام يقارب ضعف عدد الماعز.
ولم تكن الأغنام والماعز الحيوانات الوحيدة ذات الصلة بهذا النشاط، إذ عُثر أيضاً على بقايا للكلاب. ونظراً إلى قلة الحيوانات البرية المصطادة في الموقع، تقترح الدراسة أن بعض هذه الكلاب ربما ساعدت في إدارة القطعان، بدلاً من استخدامها أساساً في الصيد.
وتقدم أعمار الحيوانات عند نفوقها مؤشراً إضافياً على طبيعة هذه القطعان. فقد بقي نحو نصف الأغنام والماعز على قيد الحياة إلى ما بعد عمر 2.5 إلى 3 سنوات تقريباً، وهو نمط لا يتوافق تماماً مع تربية القطعان بهدف إنتاج اللحوم، إذ كان من المتوقع في هذه الحالة ذبح نسبة أكبر من الذكور في أعمار أصغر.
كما تشير الأدلة إلى أن القطعان ضمت ذكوراً وإناثاً بالغة جنسياً، ما يعني أنها كانت تجمعات اجتماعية معقدة تختلف في تركيبها عن كثير من القطعان البرية.
ومن هنا تصل الدراسة إلى فكرتها الأساسية: فالأغنام والماعز حيوانات اجتماعية قادرة على التكيف مع تغير تركيب المجموعة، والعيش ضمن قطعان كبيرة، واستيعاب أفراد جدد، والتفاعل المستمر مع البشر والكلاب. وترى الدراسة أن هذه الخصائص السلوكية كانت من العوامل التي جعلت الرعي واسع النطاق ممكناً.
لكن إدارة مثل هذه القطعان كانت تتطلب أكثر من مجرد توجيه الحيوانات من مكان إلى آخر. فقد كان على الرعاة مراقبة سلوكها، والاستجابة للتغيرات داخل القطيع، وتنظيم حركته داخل المستوطنة وعبر الأراضي المحيطة بها.
ولهذا تقترح الدراسة أن الخبرات اليومية المرتبطة بإدارة القطعان ربما ساعدت البشر على تطوير بعض المهارات الاجتماعية والتنظيمية اللازمة للتعامل مع تجمعات أكبر وأكثر تعقيداً. وبذلك، قد تكون خبرة البشر في تنظيم عالم القطعان قد أسهمت بدورها في تشكيل بعض جوانب التنظيم الاجتماعي داخل المجتمعات الحضرية المبكرة.
وتقود هذه الفكرة إلى إعادة النظر في شكل حمّوكار نفسه. فقد وُصف الموقع، إلى جانب مواقع قريبة مثل تل براك، بأنه يمثل نمطاً من التحضر منخفض الكثافة بسبب تباعد المباني والبقايا الأثرية على مساحة واسعة. غير أن الدراسة تقترح أن هذه المساحات المفتوحة ربما لم تكن «فارغة» في الماضي، بل كانت تستخدمها قطعان الأغنام والماعز وغيرها من الحيوانات التي عاشت وتحركت داخل المستوطنة.
ومن هذا المنظور، ربما كانت بعض أولى المدن في العالم تبدو قليلة الكثافة من حيث العمارة، لكنها كانت في الواقع مجتمعات مزدحمة متعددة الأنواع، تقاسم فيها البشر والحيوانات المساحة نفسها.
وتكتسب هذه الفكرة بعداً إضافياً عند النظر إلى ثقافة بلاد الرافدين في الفترات اللاحقة، حيث استمرت العلاقة بين الرعي والمدينة في اللغة والرموز. فقد استخدمت النصوص المسمارية صوراً وتشبيهات رعوية في وصف المدن والحكام، حتى إن أوروك، إحدى أشهر مدن بلاد الرافدين القديمة، عُرفت بلقب يمكن ترجمته إلى «أوروك حظيرة الأغنام».
ومع ذلك، لا تدّعي الدراسة أن الأغنام والماعز كانت سبباً مباشراً في ظهور المدن. بل تقدم العلاقة بين حياة القطعان والتحضر بوصفها نموذجاً أولياً يدعو إلى إعادة التفكير في دور الحيوانات في نشأة المجتمعات الحضرية.
فبدلاً من التعامل مع الحيوانات باعتبارها موارد اقتصادية فقط، تدعو الدراسة إلى النظر إليها بوصفها جزءاً من المجتمعات التي أسهمت في تشكيل المستوطنات القديمة. وفي حمّوكار، ربما أسهمت القطعان الكبيرة، والرعي المتنقل، والتفاعل اليومي بين البشر والحيوانات في ظهور شكل جديد من الحياة الجماعية.
ومن هذا المنظور، لم تكن المدن الأولى نتاج العلاقات بين البشر وحدهم، بل تشكلت أيضاً من خلال شبكة أوسع من العلاقات جمعت البشر بالأغنام والماعز والكلاب التي تقاسمت المكان نفسه وأسهمت في تشكيله.
تاريخ النشر: 24-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Cambridge Archaeological Journal