- الأخبار الأثرية
-
حافة هضبة مورجيا في منطقة المسح B1، حيث تظهر قمة التل المحاطة بسور والسهل المجاور.
حقوق الصورة:
Recchia et al., Antiquity (2026)
من الوديان إلى المرتفعات: مشهد ما قبل التاريخ يتغير في جنوب إيطاليا
تكشف مسوحات أثرية جديدة على حافة هضبة مورجيا في جنوب شرق إيطاليا عن تغيرات طويلة الأمد في الطريقة التي كانت مجتمعات ما قبل التاريخ تتفاعل مع هذا المشهد الطبيعي. فقد أظهرت الأدلة، التي تمتد من العصر الحجري الحديث إلى العصر الحديدي، تكرار الاستيطان في الوديان والمنحدرات المنخفضة والمناطق المرتفعة، مع تحول تدريجي نحو الاستيطان فوق قمم التلال، وهو نمط أصبح واضحاً بشكل خاص منذ منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد.
وتفصيلاً، فقد تركزت الأبحاث في الجزء الشمالي من مرتفعات مورجيا ضمن متنزه ألتا مورجيا الوطني (Alta Murgia National Park)، وهي عبارة عن هضبة كارستية تشرف على سهل فوسا برادانيكا (Fossa Bradanica). وحتى وقت قريب، كانت المعرفة الأثرية بهذه المنطقة تعتمد بدرجة كبيرة على حفريات متفرقة أجريت في مواقع منفصلة. أما المسوحات التي أُجريت خلال عامي 2023 و2024 فقد تناولت المشهد على نطاق أوسع، مع التركيز على المناطق التي تلتقي فيها البيئات المرتفعة بالسهل المحيط بها.
واختير واديان يمثلان ممرين طبيعيين بين الهضبة والأراضي المنخفضة، حيث بلغت المساحة الإجمالية التي شملها المسح نحو 1.5 كيلومتر مربع. وقد أتاح هذا الموقع للباحثين دراسة كيفية استخدام المجتمعات القديمة للارتفاعات والبيئات المختلفة، ومعرفة ما إذا كانت تفضيلات الاستيطان قد تغيرت مع مرور الزمن.
وهكذا تم تقسيم مناطق المسح إلى وحدات طبوغرافية أصغر وفق الارتفاع والانحدار ومدى وضوح الرؤية على سطح الأرض. وكان هذا الأسلوب مهماً بشكل خاص في البيئة الكارستية الوعرة، حيث يمكن للنباتات والتعرية والانحدارات الشديدة أن تؤثر بدرجة كبيرة في إمكانية اكتشاف البقايا الأثرية.
وسجلت المسوحات تجمعات عديدة من شظايا الفخار، إلى جانب أدوات حجرية مشذبة وأدوات حجرية كبيرة مثل أحجار الطحن. وكانت غالبية الأواني مصنوعة يدوياً وذات أسطح مصقولة أو ملساء، ما أتاح تحديد عدة مراحل من النشاط البشري خلال عصور ما قبل التاريخ.
وفي أحد الواديين، عُثر على تجمعات من الفخار في أرضية الوادي وعلى منحدراته السفلى تعود إلى العصر البرونزي المبكر. واقترنت هذه المكتشفات بلقى أثرية من الصوان وأحجار طحن من صخر "التراخيت"، مما عزز الأدلة على وجود أنشطة مرتبطة بالاستيطان في المنطقة. وكانت حفريات سابقة في المنطقة المجاورة قد كشفت بالفعل عن منشآت سكنية من العصر البرونزي المبكر، إلا أن نتائج المسح الجديد تشير إلى أن الاستيطان كان يمتد على نطاق أوسع داخل منظومة الوادي.
ويبدو أن هذا النمط بدأ يتغير خلال العصر البرونزي الأوسط، أي في منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد تقريباً. فقد عُثر على فخار وأدوات حجرية في مواضع أكثر ارتفاعاً على نتوء غارانيوني الصخري (Garagnone)، ما يشير إلى ازدياد الاهتمام بالمواقع المرتفعة. وكانت هذه الأماكن توفر رؤية أوسع للمشهد المحيط وتتمتع بطبيعة تساعد على المهام الدفاعية، وهو نمط معروف أيضاً في مواقع مرتفعة أخرى من المنطقة.
كما وقد ظهر تسلسل مشابه في الوادي الثاني. فقد كشف الباحثون عن تجمعات من الفخار الخشن المصنوع يدوياً، إلى جانب أوانٍ أكثر دقة، عن وجود استيطان خلال العصر الحديدي، مع احتمال وجود نشاط أقدم يعود إلى العصر البرونزي. وأيضاً دعم وجود شظايا أحجار الطحن وقطع الأوعية الكبيرة، التي ربما استخدمت للتخزين، فكرة أن المنطقة لم تكن مجرد ممر للحركة، بل شهدت نشاطاً مرتبطاً بالسكن والاستقرار.
وعلى مرتفع يشرف على هذا الوادي، عثر الباحثون على منطقة محاطة بجدار من الحجارة الجافة (دون ملاط)، حيث كان يعاني من حالة سيئة من الحفظ، مع بقاء تاريخ بنائه غير محدداً حتى الآن. وقد كشفت عوامل التعرية أيضاً عن بقايا إنشائية إضافية، في حين أن الفخار المكتشف في قمة التل يرتبط في الغالب بالعصر الحديدي. ومع ذلك، يرى الباحثون أن بعض القطع قد تعود إلى العصر البرونزي الأوسط، ما يشير مرة أخرى إلى أن استخدام المرتفعات بدأ قبل أن يصبح الاستيطان على قمم التلال ظاهرة واسعة الانتشار.
كما كشفت المسوحات عن أدلة تشير إلى وجود بشري يعود لفترات أقدم بكثير، إذ تنتمي إحدى شظايا الفخار المزخرفة التي تحمل آثار بصمات أظافر إلى فئة الفخار المطبوع (Impressed Ware) المميزة للعصر الحجري الحديث المبكر في الألفية السادسة قبل الميلاد. كما قدمت الأدوات الصوانية المكتشفة في عدة مواضع إشارات إضافية إلى وجود نشاط متقطع امتد عبر فترات مختلفة من عصور ما قبل التاريخ.
وتشير النتائج مجتمعة إلى حدوث تغير تدريجي طويل الأمد في اختيار أماكن الاستيطان. فقد استخدمت المجتمعات الأقدم أرضيات الوديان والمنحدرات السفلى بكثافة، بينما ازدادت أهمية المواقع المرتفعة منذ منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، إلى أن أصبح الاستيطان على قمم التلال أكثر انتشاراً خلال الألفية الأولى قبل الميلاد.
وتوضح هذه الأدلة أن حافة هضبة مورجيا لم تكن مجرد منطقة انتقالية بين المرتفعات والسهول، بل كانت مشهداً حيوياً استُخدم مراراً للسكن والحركة واستغلال الموارد. ومن المتوقع أن تساعد المسوحات الجيوفيزيائية والحفريات الموجهة ودراسات البقايا النباتية مستقبلاً في توضيح الكيفية التي تكيفت من خلالها هذه المجتمعات مع بيئتها، والأسباب التي جعلت المواقع المرتفعة أكثر أهمية خلال المراحل المتأخرة من عصور ما قبل التاريخ.
تاريخ النشر: 13-09-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Antiquity