- الأخبار الأثرية
-
شواهد حجرية أيبيرية قديمة تكشف طرقاً للتلاقي الثقافي
كشفت دراسة أثرية جديدة في موقع لاس كابيلانياس جنوب غربي إسبانيا عن مجموعة من الأدلة الأثرية الهامة التي تتعلق بدور النصب الحجرية أو الشواهد التي تعود عصور ما قبل التاريخ، لا سيما علاقتها بممارسات الدفن وطرق التواصل القديمة في شبه الجزيرة الأيبيرية.
ويقع الموقع في كانافيرال دي ليون في مقاطعة ولبة، وقد لفت الانتباه بعد اكتشاف جرى مصادفة لنصب حجري مزخرف من نوع "ديادم"، أي له تاج على شكل طوق، وذلك عام 2018. وبعد ذلك، أدت أعمال المسح والتنقيب إلى اكتشاف نصبَين حجريين إضافيين، إلى جانب مجمع جنائزي يضم 18 هيكلاً جنائزياً. حيث وفرت هذه الاكتشافات أدلة أثرية نادرة لفهم الشواهد والنصب الحجرية التي غالباً ما كان يتم العثور عليها من دون أي ارتباط واضح بمواقع أثرية محددة.
ولعقود طويلة، كان تفسير الشواهد الأيبيرية المعروفة باسم نصب "المحاربين" أو النصب "ذات التاج" أمراً صعباً، لأن كثيراً منها عُثر عليه بالمصادفة أو بعيداً عن مواقع الحفريات. وقد ناقش الباحثون ما إذا كانت هذه النصب قد استُخدمت كعلامات للقبور أو كرموز حدودية، أو كمعالم مرتبطة بالحركة والهوية الاجتماعية. أما اكتشافات لاس كابيلانياس فتقدم الآن دليلاً قوياً على أن هذه النصب كانت قادرة على أداء أكثر من وظيفة، فهي علامات جنائزية ومعالم مرتبطة بطريق قديم في الوقت نفسه.
وقد كشفت الحفريات عن أنواع مختلفة من القبور، بما في ذلك مقابر حجرية على طراز العصر البرونزي، وحفر مبطنة بألواح حجرية من العصر الحديدي ومغطاة بأكوام من الحجارة، بالإضافة إلى هياكل مركبة أكثر تعقيداً. كما احتوت العديد من المقابر على رفات بشرية محروقة وأوانٍ فخارية وأدوات معدنية، إلى جانب الخرز والحلي. ويُشير التأريخ بالكربون المشع للعظام المحروقة إلى أن معظم النشاط الجنائزي كان بين عامي 800 و550 قبل الميلاد تقريباً، أي في أوائل العصر الحديدي، على الرغم من أن بعض الأدلة تُشير إلى تاريخ استخدام أطول للموقع.
وكانت النصب الحجرية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقبور وبالطريق القديم. فقد وُجد أحد النصب قرب هيكل دفن، بينما كان آخر مثبتاً داخل تل ركامي جنائزي، في حين غطى نصب ثالث جزءاً من معلم جنائزي. ويشير موقع هذه النصب قرب الطريق إلى أنها لم تكن تميز مكان الموتى فقط، بل تشير إلى مكان للحركة واللقاء والذكرى أيضاً.
وتشير اللقى المكتشفة في لاس كابيلانياس إلى مزيج من التقاليد المحلية والتأثيرات المتوسطية الأوسع. فالأواني المصنوعة يدوياً تعكس ممارسات فخارية محلية تعود جذورها إلى العصر البرونزي، في حين تُظهر الجرار المصنوعة على دولاب الخزف من نوع لا كروز دل نيغرو صلات بأشكال أخرى دخلت المنطقة عبر الاتصالات الفينيقية. كما ترتبط الحلي المعدنية والخرز الزجاجي والقرط الفضي والدبابيس والحزام البرونزي ولقى أخرى في الموقع بشبكات أوسع في جنوب غربي أيبيريا خلال العصر الحديدي المبكر.
ويشير هذا الجمع بين كل من العمارة الجنائزية والنصب الحجرية والمواد المستوردة، أو المتأثرة بالخارج، والتقاليد المحلية إلى عملية من التهجين الثقافي. فبدلاً من أن تحل التأثيرات الجديدة محل الممارسات القديمة، يبدو أنها اندمجت داخل تقاليد جنائزية قائمة. ومن هنا، فإن الموقع يعكس حالة من الاستمرارية والتغير في آن واحد، خلال فترة شهدت اتساعاً في العلاقات عبر أيبيريا ومع عالم البحر المتوسط.
كما تؤكد الدراسة أهمية طريق لاس كابيلانياس القديم. فقد كان هذا المسار على الأرجح يربط بين وادي الوادي الكبير الأدنى وحوض وادي آنا الأوسط، وهما منطقتان عُرفت فيهما نصب حجرية وتقاليد جنائزية مشابهة. وهذا يشير إلى أن الموقع كان جزءاً من مشهد أوسع للحركة والتبادل والتواصل الرمزي.
وهكذا، يقدم موقع لاس كابيلانياس واحداً من أوضح السياقات الأثرية حتى الآن لفهم النصب الحجرية الأيبيرية في عصور ما قبل التاريخ. فهو يوضح أن هذه النصب لم تكن قطعاً معزولة، بل كانت جزءاً من مشهد حي اجتمعت فيه القبور والطرق وذاكرة الأسلاف والتبادل الثقافي عبر أجيال متعددة.
تاريخ النشر: 01-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Antiquity