- الأخبار الأثرية
-
باحثون يشككون في تصنيف الأدوات الحجرية من كهف كويفا ميان في إسبانيا
يشكك نقد أكاديمي جديد في انتماء الأدوات الحجرية المكتشفة في كهف كويفا ميان (Cueva Millán) شمالي إسبانيا إلى العصر الحجري القديم الأعلى المبكر، وهو تقليد تقني يرتبط غالباً بمراحل الانتشار المبكر للإنسان العاقل في أنحاء أوراسيا.
وترد المقالة على دراسة نُشرت عام 2024، صنفت الأدوات المكتشفة في الطبقة L1 من الكهف بوصفها مظهراً في جنوب أوروبا يعبر عن العصر الحجري القديم الأعلى المبكر، والذي يعود بصورة عامة إلى الفترة بين نحو 50 و40 ألف سنة مضت.
لكن التحليل الجديد يرى أن الأدوات تفتقر إلى السمات التقنية الأساسية التي يُستند إليها عادة في تحديد هذا العصر. وبدلاً من ذلك، يبدو أن الأدوات تحتفظ بخصائص أكثر شيوعاً في العصر الحجري القديم الأوسط، وهي فترة في أوروبا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بجماعات النياندرتال.
ويتميز العصر الحجري القديم الأعلى المبكر عادة بإنتاج منتظم للشفرات الحجرية الطويلة انطلاقاً من نوى حجرية محضرة بعناية، وغالباً ما تكون عملية التقشير ثنائية الاتجاه. كما تشمل هذه الصناعات رؤوس طويلة مصنوعة بتقنية ليفالوا (Levallois technique) وأشكالاً معيارية من الشفرات، إضافة إلى أدوات عظمية وحلي شخصية في بعض المناطق.
ويرى الباحثون أن النوى الحجرية من كهف كويفا ميان تختلف بصورة جوهرية عن هذه الأمثلة. فبدلاً من إنتاج شفرات حجرية منتظمة، اتبعت كثير من النوى أسلوب تشذيب متقاطع أدى إلى إنتاج رقائق قصيرة مثلثة الشكل. وكانت النوى غالباً مسطحة وليست على شكل موشور، كما افتقرت إلى آثار التقشير والتشذيب المتوازية التي تميز إنتاج الشفرات المنظم.
ويؤكد الباحثون أيضاً وجود تقنيات واضحة من العصر الحجري القديم الأوسط، من بينها التقشير القرصي وطريقة ليفالوا المتكررة ذات الاتجاه المركزي. ويرون أن وصف هذه الأدوات بأنها "شبيهة بطريقة ليفالوا" أو "شبيهة بالقرص" يقلل من شأن ارتباطها التقني الوثيق بتقاليد العصر الحجري القديم الأوسط المعروفة.
وتشكل نسبة الشفرات الحجرية والشظايا الصغيرة نقطة خلاف أخرى. ففي مواقع العصر الحجري القديم الأعلى المبكر، مثل كهفي باتشو كيرو وتمناتا في بلغاريا، تمثل الشفرات نسبة كبيرة جداً من المجموعة الحجرية، وهي تتميز عادة بحواف متوازية وأشكال وأبعاد أكثر انتظاماً.
أما في كهف كويفا ميان، فلا تمثل منتجات الأنصال الحجرية سوى نحو 2.4 في المئة من الأدوات، بينما تبلغ نسبة الشظايا النصلية الصغيرة نحو 3.3 في المئة. ويرى الباحثون أن هذه النسب تقع ضمن نطاق التنوع المعروف لصناعات العصر الحجري القديم الأوسط.
كما يشككون في إمكان تصنيف كثير من القطع الطويلة بوصفها شفرات حجرية حقيقية. إذ تحمل بعض هذه القطع حواف غير منتظمة أو متباعدة أو غير متناظرة، ويبدو أنها صُنعت من عقد حجرية صغيرة أو من حواف رقائق، لا من نوى حجرية أُعدت خصيصاً لإنتاج الشفرات.
وتبدو الأدوات المشذبة أيضاً أقرب إلى تقاليد العصر الحجري القديم الأوسط. فالرقائق المشذبة تفوق الشفرات المشذبة عدداً بفارق كبير، بينما تهيمن المكاشط الجانبية والأدوات المسننة والمحززة ورؤوس السهام الموستيرية على المجموعة. أما الأدوات النموذجية للعصر الحجري القديم الأعلى، فهي قليلة أو غير واضحة.
ولا تنكر المقالة قدرة جماعات النياندرتال على إنتاج رقائق حجرية طويلة أو شفرات أو شظايا نصلية صغيرة. لكنها تؤكد أن هذه السمات قد تظهر بصورة مستقلة ضمن تقنيات العصر الحجري القديم الأوسط المتأخر، ولا ينبغي اعتبارها تلقائياً دليلاً على وجود صناعة من العصر الحجري القديم الأعلى المبكر.
وتكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة، إذ يرتبط العصر الحجري القديم الأعلى المبكر غالباً بانتشار الإنسان العاقل. وبالتالي، فإن تصنيف مجموعة من العصر الحجري القديم الأوسط على أنها من العصر الحجري القديم الأعلى المبكر قد يُنسب خطأً ابتكارات إنسان نياندرتال المحلية إلى جماعات بشرية حديثة وافدة.
كما يشير الباحثون إلى غياب القطع الأثرية الرمزية من كهف كويفا ميان، على الرغم من حفظ بقايا العظام الحيوانية، وأيضاً إلى وجود مسائل غير محسومة تتعلق بالتسلسل الزمني والطبقي للموقع.
وبشكل عام، تخلص المقالة النقدية إلى أنه لا يمكن حالياً إسناد مجموعة الأدوات الحجرية في الطبقة L1 بشكل قاطع إلى العصر الحجري القديم الأعلى المبكر. فتقنياتها وأنواع أدواتها واستراتيجيات إنتاجها تتوافق بشكل أكبر مع تقاليد العصر الحجري القديم الأوسط المتأخر الموجودة في مناطق أخرى من جنوب أوروبا.
ومن هنا، يبرز هذا النقاش أهمية التمييز بين الأنظمة التقنية الحقيقية وأوجه التشابه السطحية. فالتصنيف الدقيق ضروري جداً لإعادة بناء مرحلة الانتقال بين النياندرتال والإنسان العاقل، إلى جانب فهم كيفية تطور الابتكار بين آخر جماعات النياندرتال في أوروبا.
تاريخ النشر: 08-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Scientific Reports