- الأخبار الأثرية
-
صور مجهرية للخرزة الزجاجية المذهبة KZ-16، تُظهر طبقات الزجاج وطبقة الذهب الرقيقة المكشوفة.
حقوق الصورة:
Agnes Puiyee Sung, Sung et al., npj Heritage Science (2026)
خرزات مذهبة تكشف عن شبكات تبادل قديمة عبر سهوب أوراسيا
كشفت دراسة أثرية جديدة لخرزتين زجاجيتين مزينتين برقائق من الذهب، عُثر عليهما في شرق كازاخستان، عن استمرار انتشار تقاليد صناعة الزجاج المتطورة المرتبطة بعالم البحر المتوسط في سهوب أوراسيا خلال القرنين الثالث والرابع للميلاد.
اكتُشفت الخرزتان عام 2023 في المدفن رقم 54 بمقبرة تاوتيكيلي في منطقة ألتاي الكازاخية، وهي ممر هام يربط بين وسط وسهوب شرق كازاخستان. وقد ضم المدفن رفات شاب بالغ وطفل، وأرّخه تحليل الكربون المشع إلى الفترة بين 256 و326 للميلاد، أي إلى فترة شيانبي (Xianbei). حيث وُجدت الخرزتان من الذهب المغلف بالزجاج، بالإضافة إلى خرزة ثالثة مصنوعة من معجون زجاجي، بالقرب من منطقة العنق.
وتُعرف هذه القطع باسم الخرز الزجاجي ذي الرقائق الذهبية، وهي حلي مركبة تُصنع بوضع طبقة رقيقة للغاية من الذهب أو الفضة بين طبقتين من الزجاج. وتمنح هذه التقنية الخرز مظهراً معدنياً لامعاً، مع حماية الرقائق المعدنية داخل الغلاف الزجاجي.
وترتبط هذه الصناعة ارتباطاً وثيقاً بتقاليد صناعة الزجاج في العالمين الهلنستي والروماني، حيث توجد أدلة على إنتاج هذا النوع من الحلي في مراكز مثل رودس والإسكندرية. ولذلك فقد أثار العثور على أمثلة منها على بعد آلاف الكيلومترات شرقاً تساؤلات حول كيفية انتقال المواد والقطع الجاهزة والخبرات التقنية عبر أوراسيا.
ولدراسة خرزتي تاوتيكيلي، استخدم الباحثون المجهر البصري والمجهر الإلكتروني الماسح مع التحليل الطيفي، إضافة إلى التصوير المقطعي المحوسب بالأشعة السينية على المستوى المجهري. وقد أتاح هذا الأخير فحص البنية الداخلية للخرزتين من دون إتلافهما.
وأظهرت النتائج أن كل خرزة تتكون من طبقتين من الزجاج تفصل بينهما رقيقة من الذهب. كما تبين أن النواة الداخلية صُنعت من أنبوب زجاجي مسحوب، وهو ما تدعمه فقاعات الهواء المتطاولة داخل الزجاج والموازية لاتجاه الثقب.
وساعدت النتائج أيضاً في حسم جدل طويل الأمد حول طريقة إضافة الطبقة الزجاجية الخارجية. فقد اقترحت إحدى الفرضيات القديمة إدخال النواة المغطاة بالذهب داخل أنبوب زجاجي ثانٍ.
لكن الطبقة الخارجية في خرزتي تاوتيكيلي بدت غير منتظمة السماكة، ولم تظهر عليها الخصائص المتوقعة لأنبوب زجاجي مسحوب. لذلك يرجح الباحثون أن الزجاج الخارجي أضيف حول النواة المغلفة بالذهب عندما كان منصهراً أو شديد اللزوجة ، قبل إعادة تسخين القطعة وتشكيلها. كما أظهر التحليل أن الذهب استُخدم على هيئة طبقة رقيقة ملفوفة حول النواة، وليس على شكل مسحوق.
ولم تُصنع الخرزتان بالطريقة نفسها تماماً. فإحداهما تتميز بأطراف مسطحة نسبياً، ما يشير إلى تعرضها لتسخين محدود بعد فصلها، بينما تحمل الأخرى أطرافاً مستديرة تدل على وجود معالجة حرارية إضافية. كما ظهرت اختلافات طفيفة في تركيب الزجاج، وهو ما يشير إلى أن عملية الإنتاج كانت مرنة ولم تعتمد على طريقة موحدة.
وكشف التحليل الكيميائي عن نتيجة مهمة أخرى، إذ تبين أن الخرزتين مصنوعتان من زجاج الصودا والجير والسيليكا، مع نسب منخفضة من المغنيسيوم والبوتاسيوم، وهي خصائص تتوافق مع زجاج النطرون الذي كان من أبرز تقاليد صناعة الزجاج في عالم البحر المتوسط خلال العصرين الهلنستي والروماني. لاسيما أنه عُثر سابقاً على خرزات مشابهة مصنوعة منه في مناطق واسعة تمتد من البحر الأسود إلى منغوليا.
وتكتسب خرزتا تاوتيكيلي أهمية خاصة لأنهما تعودان إلى القرنين الثالث والرابع للميلاد، وهي فترة بدأ فيها الزجاج المصنوع باستخدام رماد النباتات ينتشر بصورة أكبر في أجزاء من آسيا الوسطى والداخلية. ومع ذلك، احتفظت هاتان القطعتان بالتقليد الأقدم القائم على النطرون.
ويحذر الباحثون من اعتبار ذلك دليلاً على أن الخرزتين وصلتا مباشرة من البحر المتوسط إلى كازاخستان في ذلك الوقت. فقد تكونان ظلتا متداولتين مدة طويلة، أو حُفظتا كقطع موروثة ضمن العائلة، أو صُنعتا من زجاج نطرون أعيد استخدامه.
ومع ذلك، تؤكد النتائج أن تقاليد الزجاج المرتبطة بالبحر المتوسط ظلت حاضرة في شبكات التبادل بآسيا الوسطى لفترة أطول مما كان يُعتقد.
وتشير الأدلة الأثرية إلى أن المجتمعات الرعوية في السهوب شاركت في شبكات واسعة انتقلت عبرها المنتجات الزجاجية والمعدنية والمنسوجات وغيرها من السلع النفيسة بين البحر المتوسط وآسيا الوسطى وشرق آسيا. وربما جرى ذلك من خلال التجارة والتحالفات والهدايا والعلاقات الدبلوماسية والجزية، وليس عبر طريق تجاري واحد فقط.
وهكذا لا تكشف خرزتا تاوتيكيلي عن مهارة صناعية متقدمة فحسب، بل تعكسان أيضاً عالماً أوراسياً مترابطاً انتقلت فيه المواد والتقنيات عبر مسافات شاسعة، وتكيفت مع تقاليد محلية مختلفة، واستمرت في التداول بين المجتمعات وعبر الأجيال.
تاريخ النشر: 17-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: npj Heritage Science