- الأخبار الأثرية
-
تل براك في شمال شرق سوريا، أحد المواقع القديمة التي شملتها الدراسة.
حقوق الصورة:
Bertramz, CC BY 3.0, via Wikimedia Commons
دراسة تكشف متى بدأت مدن جنوب غرب آسيا تعمل كأنظمة حضرية مترابطة
تشير دراسة أثرية جديدة إلى أن بعض الأنماط الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالحياة في المدن لم تظهر تلقائياً بمجرد ازدياد حجم المستوطنات البشرية، بل أصبحت واضحة بصورة منتظمة مع نشوء المدن الأكثر ترابطاً خلال العصر البرونزي.
وتتبعت الدراسة تطور المستوطنات في جنوب غرب آسيا، وهي إحدى أهم المناطق التي شهدت بدايات التحضر في العالم. وحلل الباحثون مساحات وأحجام 1,852 مبنى سكنياً من 80 موقعاً أثرياً، تغطي فترة تزيد على 12 ألف عام، وذلك من أواخر العصر الحجري القديم الأعلى ووصولاً إلى العصر الحديدي، أي من نحو 13,100 إلى 580 قبل الميلاد.
وتنتشر المواقع التي شملتها الدراسة في مناطق تقع اليوم ضمن تركيا وسوريا ولبنان والأردن وإسرائيل وفلسطين وقبرص والعراق، ما أتاح للباحثين تتبع مسار زمني طويل بدأ بالمجتمعات المستقرة المبكرة، ومروراً بظهور المدن، وحتى وصوله إلى الأنظمة الحضرية في العصرين البرونزي والحديدي.
واعتمد الباحثون على ما يُعرف بـنظرية قياس المستوطنات، وهي طريقة كمية تدرس كيف تتغير خصائص المستوطنات البشرية مع ازدياد عدد سكانها. ففي المدن الحديثة، يؤدي ازدياد السكان في كثير من الأحيان إلى تغيرات منتظمة في البنية التحتية والإنتاج الاقتصادي ومستويات التفاعل الاجتماعي.
أما في الدراسة الأثرية، فقد استخدم الباحثون مساحة المنازل مؤشراً على القدرة الإنتاجية طويلة الأمد للأسر، ثم قارنوها بحجم المستوطنة ككل لمعرفة متى بدأت تظهر العلاقات المنتظمة بين اتساع التجمع السكاني وخصائص المساكن.
وكشفت النتائج عن اختلاف واضح بين الفترات الزمنية. فخلال العصر الحجري الحديث، لم تظهر علاقة منتظمة بين حجم المستوطنة ومتوسط مساحة المنازل. أما في العصر النحاسي، فجاءت النتائج أقل وضوحاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى محدودية البيانات المتاحة عن المساكن في بعض المراكز الحضرية الكبرى التي ظهرت خلال هذه المرحلة.
ولم تظهر علاقات التناسب بوضوح إلا خلال العصر البرونزي، ثم استمرت في العصر الحديدي. ويرى الباحثون أن ذلك قد يشير إلى أن شبكات التفاعل الاجتماعي والاقتصادي المتكاملة لم تصبح جزءاً ثابتاً من تنظيم المستوطنات إلا مع تطور الأنظمة الحضرية الأكثر تعقيداً.
ومع ذلك، يجب أن يتم النظر إلى نتائج العصر النحاسي بقليل من الحذر. فبعض المراكز الكبرى في جنوب بلاد الرافدين خلال أواخر هذه المرحلة، أي في الفترة التي كانت فيها المدن الأولى آخذة في الظهور، كان تمثيلها ضعيفاً في البيانات السكنية أثناء الدراسة. ولذلك لا يمكن الجزم ما إذا كان غياب التدرج الواضح في حجم المساكن يعكس واقعاً تاريخياً أم هو مجرد نقص في الأدلة المتاحة.
وكشفت الدراسة أيضاً عن تغير مهم في أحجام المنازل عبر الزمن. فبصرف النظر عن وجود تدرج في حجم المستوطنات من عدمه، فقد ازداد الحجم الأساسي المتوقع للمسكن من نحو 16.9 متراً مربعاً في العصر الحجري الحديث إلى 41.8 متراً مربعاً في العصر الحديدي، أي أنه ازداد إلى أكثر من الضعف.
ويربط الباحثون هذا التطور بتحسينات تقنية وتنظيمية طويلة الأمد، وليس فقط بالمزايا الناتجة عن العيش في تجمعات سكانية أكبر. وهذا يعني أن قدرة الأسر على إنشاء واستخدام مساحات سكنية أكبر كانت تتطور بمرور الزمن بصورة مستقلة عن تأثيرات التحضر نفسها.
وتناولت الدراسة أيضاً إحدى القضايا الأساسية المرتبطة بتاريخ المدن، وهي التفاوت الاقتصادي. فعندما استخدم الباحثون الاختلافات في مساحات المنازل مؤشراً على التفاوت بين الأسر، تبين لهم أن المستوطنات الأكبر لم تنضوي بالضرورة على تفاوت أكبر.
فالعلاقة بين حجم المستوطنة وعدم المساواة ظهرت بصورة واضحة أساساً في المجتمعات ذات الأنظمة السياسية المعقدة، وخاصة في المراكز الكبرى التي احتلت مواقع إدارية أو تجارية مهمة. أما المجتمعات الأقل تعقيداً والمستوطنات الصغيرة فلم تظهر فيها العلاقة نفسها.
وتشير هذه النتيجة إلى أن التفاوت الاقتصادي لم يكن نتيجة تلقائية لازدياد حجم المدن، بل تأثر بدرجة كبيرة بالمؤسسات التي نظمت كيفية توزيع الموارد والمكاسب الناتجة عن النشاط الحضري. كما لم يجد الباحثون دليلاً على أن المستوطنات التي حققت مستويات إنتاج أعلى مما يتوقعه نموذج القياس كانت أكثر تفاوتاً بالضرورة. وهذا يشير إلى أن زيادة الإنتاج وكيفية توزيع عوائده كانتا عمليتين منفصلتين إلى حد كبير.
واستخدمت الدراسة البيانات أيضاً لإعادة النظر في الكثافة السكانية للمدن القديمة. حيث أظهرت التقديرات أن الكثافة السكنية لم تبق ثابتة عبر الزمن، بل انخفضت بصورة ملحوظة من العصر النحاسي إلى العصر البرونزي، ثم ارتفعت جزئياً من جديد خلال العصر الحديدي.
وتقدم النتائج بذلك صورة أكثر تعقيداً لبدايات المدن في جنوب غرب آسيا. فالمدينة لم تكن مجرد قرية أكبر حجماً، بل أصبحت مع مرور الوقت نظاماً أكثر ترابطاً، ارتبط فيه حجم المستوطنة بأنماط جديدة من التفاعل والإنتاج.
وفي الوقت نفسه، توضح الدراسة أن زيادة الإنتاج وحالات التفاوت لم يسيرا بالضرورة جنباً إلى جنب. فعلى الرغم من أن المدن الكبيرة أتاحت مزايا اقتصادية جديدة، لكن المؤسسات السياسية والاجتماعية لعبت الدور الأساسي في تحديد كيفية توزيع هذه المكاسب بين السكان.
وتشير الدراسة في النهاية إلى أن بعض السمات الأساسية للحياة الحضرية التي نعرفها اليوم ترجع جذورها إلى العصر البرونزي، أي عندما بدأت مستوطنات جنوب غرب آسيا تعمل بصورة متزايدة كشبكات اجتماعية واقتصادية مترابطة، لا كمجرد تجمعات أكبر من السكان والمباني.
تاريخ النشر: 21-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: PLOS One