- الأخبار الأثرية
-
شرائح مجهرية تاريخية من المجموعة الوطنية الكندية، من بينها نماذج مزخرفة ومغلفة بالورق من مجموعة إيفانز.
حقوق الصورة:
Lonsdale et al., npj Heritage Science (2026)
إرث خفي من الزرنيخ في بعض المجموعات العلمية الكندية
كشفت دراسة جديدة في علوم التراث عن وجود الزرنيخ وعدد من المعادن الثقيلة في مجموعة من شرائح المجهر المصنوعة في كندا خلال القرن التاسع عشر، مسلطة الضوء على مخاطر خفية قد تبقى كامنة في قطع علمية تاريخية تبدو للوهلة الأولى عادية وآمنة.
وتناولت الدراسة مجموعة من شرائح المجهر التي تعود إلى العصر الفيكتوري، حيت تتميز بأنها مغلفة بورق مزخرف، ومصنوعة في كندا بين عامي 1874 و1878. وتُعد هذه الشرائح جزءاً من مجموعة تضم 190 عينة، تبرع بها 190 شخصاً عام 2025 للمجموعة الوطنية الكندية للحشرات والعناكب والديدان الأسطوانية في أوتاوا.
ورغم أن العينات البيولوجية المحفوظة داخل الشرائح ليست نادرة بحد ذاتها، إلا أن أهمية المجموعة تكمن في أغلفتها الورقية المزخرفة وتقنيات صناعتها وقيمتها التاريخية. حيث تتميز بعض الشرائح بألوان زاهية وزخارف متكررة تعكس الذوق السائد في العصر الفيكتوري.
ولفتت بعض الأغلفة الخضراء الزاهية انتباه الباحثين، لأن لونها يشبه الأوراق التاريخية المعروفة باستخدام أصباغ تحتوي على الزرنيخ، وخاصة الصباغ المعروف باسم الأخضر الزمردي.
وكانت الأصباغ الاصطناعية المحتوية على الزرنيخ والرصاص والكروم والزئبق شائعة خلال القرن التاسع عشر في ورق الجدران والكتب والمنسوجات والدهانات وغيرها من المنتجات. وقد اكتسبت شعبية كبيرة بسبب ألوانها القوية والزاهية، رغم تزايد المعرفة بمخاطرها الصحية بمرور الوقت.
ولدراسة الشرائح من دون إتلافها، اختار الباحثون عشر عينات تمثل ألواناً مختلفة من الأغلفة، وحللوها باستخدام تقنية فلورية الأشعة السينية المحمولة، التي تسمح بالكشف عن العناصر الكيميائية الموجودة في المواد. وكشفت النتائج عن اختلافات كبيرة بين الشرائح التي تبدو متشابهة من الخارج. فقد أظهر غلافان أخضران إشارات قوية لكل من النحاس والزرنيخ، وهو تركيب يتوافق مع أصباغ خضراء زرنيخية. وقارن الباحثون النتائج بعينة مرجعية من الأخضر الزمردي محفوظة لدى المعهد الكندي للحفظ.
ويرجح الباحثون أن الصباغ المستخدم كان الأخضر الزمردي، لكنهم يؤكدون أنه وعلى الرغم من أن التقنية تحدد العناصر الكيميائية، إلا أنها لا تستطيع وحدها إثبات التركيب الدقيق للصباغ، ولذلك يحتاج التأكيد النهائي إلى تحاليل إضافية.
كما كشفت شرائح أخرى عن وجود عناصر قد تكون خطرة، من بينها الرصاص والكروم والزئبق والنحاس.
لكن إحدى أهم النتائج جاءت من الزرنيخ نفسه. فقد ظهر بتركيزات منخفضة في معظم العينات، كما كُشف عنه في شريحة زجاجية شفافة غير مغلفة. ويشير ذلك إلى أن جزءاً من الزرنيخ الموجود في المجموعة قد يكون مصدره الزجاج نفسه، وليس الأصباغ المستخدمة في الأوراق الزخرفية، إذ كانت مركبات الزرنيخ تُستخدم تاريخياً في صناعة الزجاج لتنقيته وإزالة بعض ألوانه.
وتوضح هذه النتيجة أن العثور على الزرنيخ وحده لا يكفي للقول إن القطعة تحتوي على صباغ زرنيخي، بل يجب دراسة العناصر المصاحبة له ومقارنتها بمواد غير ملونة.
كما أظهرت الدراسة أن المظهر الخارجي لا يقدم دليلاً موثوقاً على التركيب الكيميائي. فقد احتوت شرائح متشابهة في ألوانها على مواد مختلفة، بينما ظهرت معادن قد تكون خطرة في أغلفة بألوان متعددة.
وقد يعكس هذا التنوع طبيعة الصناعات العلمية والحرفية في كندا خلال القرن التاسع عشر، حين لم تكن الأوراق الزخرفية والمتخصصة متاحة دائماً بسهولة. وربما استخدم صانعو الشرائح ما توفر لديهم من أوراق مستوردة أو قصاصات كتب أو مطبوعات ومواد قرطاسية مختلفة.
ولهذا يمكن أن تختلف الأصباغ والحشوات وتركيبة الورق حتى بين شرائح صنعها الشخص نفسه خلال فترة زمنية قصيرة. ورغم وجود مواد سامة، يؤكد الباحثون أن ذلك لا يعني ضرورة منع التعامل مع هذه القطع أو عزلها بالكامل. فإذا بقيت الأغلفة مستقرة وتم التعامل معها بطريقة سليمة، تظل احتمالات التعرض لمستويات ضارة منخفضة نسبياً. وتزداد المخاطر أساساً عندما تتدهور الأصباغ أو الأوراق وتنتج عنها جزيئات يمكن استنشاقها أو انتقالها أثناء التنظيف أو التعامل المتكرر.
وبشكل عام، تشمل الإجراءات المقترحة ارتداء القفازات، وغسل اليدين جيداً، والحد من الاحتكاك أو عمليات التنظيف غير الضرورية، إلى جانب السيطرة على الغبار والرطوبة، واستخدام عبوات مناسبة وملصقات تحذيرية. كما يمكن أن يساعد التصوير الرقمي في تقليل الحاجة إلى التعامل المباشر مع القطع.
ولا تقتصر أهمية النتائج على الشرائح المجهرية، إذ توجد أصباغ سامة مشابهة في الكتب التاريخية وورق الجدران والأوراق المزخرفة والأعمال الفنية والمجموعات العلمية. ومن هنا، فإن الدراسة تُظهر في النهاية أن الاختبارات غير المتلفة للعينات يمكنها أن تساعد المؤسسات على اكتشاف هذه المخاطر الخفية مع الحفاظ على إمكانية الوصول إلى المجموعات التاريخية. كما تكشف أن الألوان الزاهية للعصر الفيكتوري قد تخفي وراءها تاريخاً كيميائياً معقداً، وأن قطعتين تبدوان متشابهتين قد تحتاجان إلى أساليب مختلفة تماماً في الحفظ والتعامل.
تاريخ النشر: 23-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: npj Heritage Science