- الأخبار الأثرية
-
ماذا حدث في فيلا برادينغ الرومانية؟
تشير دراسة جديدة لعظام بشرية عُثر عليها في فيلا برادينغ الرومانية في جزيرة وايت البريطانية إلى أن الموقع ربما شهد أحداثاً عنيفة خلال أواخر العصر الروماني.
وتُعد فيلا برادينغ الرومانية من أشهر الفيلات الرومانية في بريطانيا، ولا سيما بسبب أرضياتها الفسيفسائية المزخرفة. حيث أجريت أوائل عمليات التنقيب في الموقع في القرن التاسع عشر، ثم استمرت الدراسات اللاحقة التي كشفت عن وجود تاريخ طويل ومعقد من الاستيطان.
ومن بين أكثر الاكتشافات غرابة في الموقع عظام بشرية متناثرة. حيث عُثر على بعضها خلال التنقيبات الأولى في عامي 1880 و1881، بينما كُشف عن أخرى خلال أعمال لاحقة في التسعينيات وبعد عام 2000. واللافت أن هذه البقايا لم يُعثر عليها في مدافن رسمية، بل ظهرت كعظام مفككة ومبعثرة داخل أجزاء من الفيلا وحولها.
وجاء أحد أبرز الاكتشافات من بئر يقع أسفل الجناح الشمالي للفيلا، حيث عُثر على رفات مراهق إلى جانب عظام ثلاثة كلاب صغيرة. كما عُثر على عظام أخرى لأشخاص بالغين في مناطق قريبة من الجناح الغربي، وهو الجزء المعروف بأرضياته الفسيفسائية.
وتشمل مجموعة العظام البشرية المكتشفة رفات أربعة بالغين على الأقل، إضافة إلى مراهق وعظمتين لطفلين حديثي الولادة. وتُظهر بعض العظام آثار معاملة غير معتادة بعد الوفاة. فقد وُجدت آثار قضم حيوان على عظمة فخذ أحد البالغين، بينما سُجلت علامات قطع دقيقة على عنق العظمة نفسها. كما لوحظت علامة قطع على أحد أضلاع المراهق.
وبما أنه لم يتم العثور على معظم تلك العظام ضمن سياقات مؤرخة بدقة، قام الباحثون باستخدام التأريخ بالكربون المشع لتحديد وقت دفن الرفات. وقد أسفرت أربع عينات ناجحة، من بينها عينة من المراهق في البئر، عن تواريخ تقع عموماً بين القرنين الثالث والرابع الميلاديين.
وأظهر التحليل الإحصائي أن العظام المؤرخة قد تعود إلى حدث واحد، أو إلى عدة أحداث وقعت خلال فترة قصيرة. ويُرجح أن ذلك التاريخ يقع ضمن فترة الاحتلال الروماني المتأخر لبريطانيا، تقريباً بين عامي 250 و400 ميلادي.
ثم حاول الباحثون تضييق هذا النطاق الزمني. لا سيما أن العملات المكتشفة في الفيلا أظهرت لهم نمطاً غير معتاد، إذ تفتقر إلى ذروة العملات المعدنية المعتادة في الفترة ما بين عامي 330 و348 ميلادية، وهي زيادة تظهر عادة في المواقع الريفية التي تعود إلى العصر الروماني في بريطانيا. ويرى الباحثون أن هذا الغياب قد يشير إلى حدوث اضطراب ما، أو أن الفيلا نفسها قد هُجرت لفترة قصيرة خلال تلك الفترة أو بعدها بقليل.
وتناقش الدراسة عدة سياقات تاريخية محتملة. أحدها أزمة شهدتها بريطانيا الرومانية حوالي عامي 342 و343 ميلادية، حين قام الإمبراطور قنسطنس بزيارة خاطفة إلى المقاطعة. أما الاحتمال الآخر، فيرتبط بالاضطرابات التي أعقبت هزيمة القائد الروماني المغتصب للحكم ماغننتيوس عام 353 ميلادية.
بعد سقوط ماغننتيوس، عاقب الإمبراطور قنسطانطيوس الثاني أنصار النظام المهزوم. حيث تذكر المصادر القديمة أن وكيله بولوس قام بتنفيذ أعمال انتقامية قاسية في بريطانيا الرومانية، شملت التعذيب والسجن والإعدام ومصادرة الممتلكات. ويقترح الباحثون أن فيلا برادينغ ربما تأثرت بهذه الأحداث في خمسينيات القرن الرابع الميلادي.
وقد يتوافق هذا التفسير مع تغييرات أخرى طرأت على الفيلا. فقد خضع الجناح الغربي، الذي كان في السابق منطقة استقبال فخمة مزينة بفسيفساء عالية الجودة، لإعادة تنظيم كبيرة في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي. حيث يمكن أن الفيلا شهدت تراجعاً في مكانتها، وربما بعد مقتل مالكها أو تجريده من ممتلكاته.
والجدير ذكره، أنه حتى الآن لا يزال من الصعب تفسير حالة العظام والرفات البشرية المتناثرة. فقد يكون الأفراد قد دُفنوا في البداية في قبور غير عميقة، ثم تعرضت بقاياهم لاحقاً للعبث بفعل الحيوانات المفترسة مثل الكلاب أو الثعالب. وهو ما يدعمه وجود آثار قضم حيوان على إحدى العظام. أما المراهق الموجود في البئر، فربما وُضع هناك عمداً، رغم أن الجسد لم يبق كاملاً أو تعرض للعبث لاحقاً.
ولا يجزم الباحثون بإمكانية إثبات سبب الوفاة. فالعنف أو المرض المفاجئ أو أي مرض آخر قد لا يترك أثراً يُذكر على الهيكل العظمي. ومع ذلك، فإن النمط غير المعتاد للعملات، إلى جانب علامات القطع وتناثر العظام والسياق السياسي الأوسع، كلها أمور تجعل من وجود حادثة عنف تفسيراً معقولاً.
وإذا صحّت فرضية هذا الحدث في منتصف القرن الرابع الميلادي، فربما تكون فيلا برادينغ الرومانية قد هُجرت مؤقتاً قبل أن يُعاد استخدامها بصورة مختلفة. حيث يشير ازدياد فقدان العملات لاحقاً إلى حدوث تعافٍ جزئي في أواخر القرن الرابع، مع احتمال تغير الطابع الاجتماعي والمعماري للفيلا.
وهكذا، تقدم الدراسة لمحة نادرة عن اضرابات الأمن وأحداث العنف المحتملة في ريف بريطانيا خلال أواخر العصر الروماني. كما وتشير إلى أنه حتى مجتمعات الفيلات الثرية لم تكن بمنأى عن الاضطرابات السياسية أو الانتقام العسكري أو حوادث العنف المحلية.
تاريخ النشر: 10-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Britannia