- الأخبار الأثرية
-
الواقع الافتراضي والمعزز يفتحان مسارات جديدة لحماية سور الصين العظيم
تقدم دراسة جديدة نظاماً رقمياً متكاملاً يجمع بين كل من الواقع الافتراضي والواقع المعزز والواقع المختلط، بهدف توثيق قسم جينشانلينغ من سور الصين العظيم وحمايته وتقديم تاريخه للزوار بوسائل تفاعلية.
ويُعد قسم جينشانلينغ أحد أهم أقسام السور العائدة إلى عهد أسرة مينغ، حيث يتميز بعمارته العسكرية وأبراجه الدفاعية وتضاريسه الوعرة وقيمته الثقافية الكبيرة. إلا أن الموقع يواجه تدهوراً مستمراً ناتجاً عن عوامل التجوية والنمو البيولوجي والكوارث الطبيعية، بالإضافة إلى صعوبة الوصول إليه والتفاوت الكبير في الارتفاع.
وكما هو معلوم، تعتمد عمليات الترميم التقليدية في كثير من الأحيان على الفحص البصري وخبرة المختصين. ويرى الباحثون أن غياب قاعدة بيانات رقمية دقيقة ومحدثة باستمرار قد يجعل من الصعب إعادة بناء العناصر المعمارية المتضررة بصورة دقيقة.
ولمواجهة هذه التحديات، طور فريق البحث نظاماً للواقع الممتد (XR) يجمع بين الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) والواقع المختلط (MR). واستند المشروع إلى مفهوم يقوم على أن تكون "التكنولوجيا هي الركيزة الأساسية، والثقافة هي الروح، والتعليم هو الرابط بينهما".
ويشتمل النظام الجديد على جميع مراحل العمل الرقمي، بدءاً من جمع البيانات ميدانياً، ومروراً بالنمذجة ثلاثية الأبعاد وبناء قواعد البيانات، وصولاً إلى التفسير التفاعلي وقياس تجربة الزوار. وقد عمل الباحثون على الجمع بين بيانات المسح بالليزر والتصوير بالطائرات المسيّرة، جنباً إلى جنب مع التصوير الفوتوغرافي ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد، وذلك بهدف إنشاء سجلات رقمية مفصلة للسور وأبراجه.
ويؤكد الباحثون أن النظام حقق دقة تصل إلى مستوى المليمتر في ظل الظروف المستخدمة في المشروع. فقد بلغت دقة جمع البيانات نحو 1.5 مليمتر، بينما بقيت دقة النمذجة الهندسية في حدود مليمترين تقريباً. كما احتوت نماذج العناصر الفردية على أكثر من 50 ألف مضلع لكل عنصر، ما أتاح إظهار التفاصيل المعمارية الدقيقة.
واستخدم الباحثون الواقع الافتراضي لإنشاء مشاهد بانورامية وبيئات رقمية متكاملة. ثم قاموا بتطوير طريقة مخصصة لحساب مجال الرؤية الفعلي أثناء التصوير البانورامي، بما يسمح بتعديل عدد الصور ونسبة التداخل بينها وفقاً لدرجة تعقيد المشهد.
وتمنح هذه الطريقة أهمية أكبر للتفاصيل المعمارية، مع تقليل التكرار غير الضروري في المناطق المتشابهة بصرياً. كما صُمم النظام لتصحيح اختلافات الإضاءة والألوان وتشوه العدسات وتباين مواقع الكاميرا، بهدف إنتاج مشاهد بانورامية أكثر انسجاماً.
وركز الواقع المعزز على الأبراج الدفاعية والعناصر المعمارية الرئيسية. إذ يمكن عرض نماذج ثلاثية الأبعاد فوق البقايا الأثرية الفعلية لإظهار عمليات إعادة البناء التاريخية، إلى جانب مقترحات الترميم والتفاصيل الإنشائية والمعلومات التفسيرية عبر الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية ونظارات الواقع المعزز.
وعدل الباحثون مسافات المسح الضوئي بحسب نوع العنصر المراد توثيقه. فالتفاصيل الدقيقة، مثل فواصل الطوب والنقوش، صُورت من مسافات تقل عن خمسة أمتار، بينما أمكن مسح الجدران الكبيرة والمشاهد الطبيعية من مسافات تتراوح بين نحو 10 و15 متراً.
أما الواقع المختلط، فاستُخدم لخلق تفاعل أوثق بين الموقع الحقيقي والنماذج الرقمية. حيث إنه من خلال دمج المعلومات البصرية مع مسح الليدار (LiDAR) ورسم الخرائط المكانية، سمح النظام للنماذج الافتراضية بأن تبقى متطابقة مع المباني الحقيقية أثناء تنقل الزوار في الموقع.
وتشير الدراسة إلى أن هذا النهج القائم على الدمج بين الناحية البصرية وتقنية الليدار عمل على تحسين الاستقرار في المناطق ذات البناء الحجري المتكرر والظلال القوية والإضاءة المتغيرة والعوائق الجزئية التي يحجبها الزوار. كما أتاح تثبيت العناصر المعمارية الرقمية داخل البيئة الحقيقية، بحيث يمكن للمستخدم معاينة الأجزاء المعاد بناؤها من زوايا مختلفة.
وأُجريت الاختبارات الميدانية في خمسة مواقع نموذجية، شملت سلالم وبرج مراقبة وقسماً من السور ومنطقة متضررة ومساحة داخلية. وشارك في التقييم 30 شخصاً، من بينهم باحثون في مجال التراث، ومطورو تقنيات الواقع الممتد، وزوار عاديون.
ونجحت الاختبارات في تقييم الدقة البصرية وجودة العرض والإضاءة وسرعة التفاعل وثبات تحديد الموقع والقدرة على مقاومة التشويش. وأظهر النظام غير المتصل بالإنترنت استقراراً أفضل من النسخة المتصلة، لا سيما في المناطق التي أثرت فيها سرعة الاتصال بالشبكة وحركة الزوار على الأداء.
وبشكل عام يهدف النظام إلى أداء عدة وظائف. فهو يوفر للمختصين سجلات دقيقة لرصد التدهور ومن ثم التخطيط لأعمال لترميم، كما يمنح الزوار إمكانية الوصول إلى الروايات التاريخية وعمليات إعادة البناء الافتراضية من دون إحداث أية تغييرات مادية في الموقع.
ويرى الباحثون أن الحفظ الرقمي يجب أن يتجاوز مجرد الأرشفة الثابتة. فبدلاً من إنشاء نماذج رقمية بهدف التخزين فقط، يمكن لقواعد بيانات التراث أن تتحول إلى أنظمة تفاعلية تخدم الترميم والتعليم والسياحة والتواصل مع الجمهور.
ومما يزيد من أهمية هذه الدراسة، هو أنها تُظهر بوضوح كيف يمكن لتقنيات الواقع الافتراضي والمعزز والمختلط أن تعمل معاً ضمن إطار موحد للحفاظ على التراث. حيث وفرت في قسم جينشانلينغ وسيلة ناجحة لتوثيق العمارة المعرضة للخطر، وطريقة فعالة لمحاكاة عمليات الترميم، إضافة إلى تقديم تاريخ سور الصين العظيم من خلال تجارب غامرة وتفاعلية.
تاريخ النشر: 06-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: npj Heritage Science