- الأخبار الأثرية
-
حقوق الصورة: Linda Nicholas, Field Museum
الديمقراطية قد يكون لها جذور عميقة في العالم القديم
تطرح دراسة مقارنة جديدة حول المجتمعات القديمة رؤية مغايرة للفكرة التقليدية التي تربط نشأة الديمقراطية بشكل رئيسي بكل من اليونان وروما. حيث أظهرت الدراسة، التي اعتمدت على أدلة أثرية وتاريخية من 31 مجتمعاً قديماً في أوروبا وآسيا والأمريكيتين، أن أشكال الحكم التشاركي والشامل للجميع كانت أكثر انتشاراً في العالم القديم مما كان يُعتقد سابقاً.
وقد شملت الدراسة 40 حالة تاريخية، وركّزت على كيفية تنظيم السلطة السياسية داخل كل مجتمع. وبدلاً من حصر مفهوم الديمقراطية في مؤسسات مثل الانتخابات، تناول الباحثون مؤشرات أوسع، من بينها مدى تركّز السلطة في يد فرد واحد أو مؤسسة واحدة، ومقدار مشاركة عامة السكان في الشأن السياسي.
ونظراً لأن كثيراً من المجتمعات القديمة لم تترك عدداً كافياً من السجلات المكتوبة، فقد اعتمد الباحثون بدرجة كبيرة على الأدلة الأثرية، بما في ذلك تخطيط المدن والعمارة العامة، والنقوش والمعالم الأثرية، إلى جانب أنماط التفاوت في الثروة. وهكذا اعتُبرت المساحات العامة المفتوحة والواسعة والمباني المصممة للتجمع والتواصل وتبادل المعلومات دليلاً على وجود أنماط حكم تشاركية وجماعية، بينما عُدت العمارة الضخمة المرتبطة بالحكام والتخطيط العمراني الذي يتمحور حول مراكز السلطة مؤشرات على وجود سيطرة استبدادية.
وبناءً على هذه المعايير، وضع الباحثون مؤشراً يصنف المجتمعات على امتداد طيف يتراوح بين الاستبداد الشديد والحكم الجماعي الأكثر شمولاً للمجتمع. وتشير النتائج إلى أن كلّاً من الأنظمة الاستبدادية والتشاركية كان منتشرة في العالم القديم، وأن الحكم الشامل للجميع لم يكن حكراً على منطقة البحر المتوسط الكلاسيكية.
كما تتحدى الدراسة الفرضية التي ترى أن ازدياد عدد السكان أو تعقّد البنية السياسية يؤديان تلقائياً إلى تركّز السلطة بيد الحكام. وبدلاً من ذلك، خلص الباحثون إلى أن أحد أهم العوامل التي شكّلت طبيعة الحكم كان كيفية تمويل السلطة السياسية.
فالمجتمعات التي اعتمدت على موارد يسيطر عليها الحكام أو النخب بشكل مباشر، مثل المناجم أو التجارة بعيدة المدى أو العمل القسري أو الغنائم، كانت أكثر ميلاً إلى الحكم الاستبدادي. أما المجتمعات التي استندت إلى الضرائب الداخلية الواسعة أو إلى العمل الجماعي، فكانت أكثر قابلية لتطوير أنظمة يشارك فيها عدد أكبر من الناس في ممارسة السلطة.
وأظهرت الدراسة أيضاً أن المجتمعات ذات الأنظمة السياسية الأكثر شمولاً للمجتمع كانت غالباً أقل تفاوتاً من الناحية الاقتصادية. وترى الدراسة أن هذه النتيجة تتحدى الفكرة القائلة إن اللامساواة الشديدة وتركيز السلطة هما نتيجتان طبيعيتان أو حتميتان لتعقّد المجتمعات.
وبصورة عامة، تقدم هذه الدراسة منظوراً تاريخياً أوسع لمفهوم الديمقراطية، مشيرةً إلى أن الحكم التشاركي له جذور عميقة ومتنوعة في مناطق متعددة من العالم القديم، وليس إرثاً حصرياً لعدد محدود من الحضارات الكلاسيكية.
تاريخ النشر: 18-03-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Phys.org