- الأخبار الأثرية
-
الذكاء الاصطناعي يتتبع تطور أنظمة الكتابة القديمة
تقترح دراسة جديدة في علوم التراث منهجاً حاسوبياً لإعادة بناء تطور أنظمة الكتابة التاريخية اعتماداً على الأنماط المحفوظة في النقوش، من دون الحاجة إلى افتراض نموذج مسبق يحدد كيفية تحول كل رمز إلى آخر عبر الزمن.
ويتعامل المنهج مع أنظمة الكتابة بوصفها «أنظمة نمطية» تتكون من الرموز والقواعد التي تنظم استخدامها وترتيبها البصري. أما النقوش والمخطوطات وغيرها من الشواهد المادية، فتُعد تمثيلات جزئية للنظام الأكبر الذي كان الكاتب يعرفه ويستخدمه.
ومن هنا، تقدم الدراسة إطاراً يسمى «علم الوراثة العرقي التطوري للسمات العميقة»، وهو مصمم للحالات التي لا يعرف فيها الباحثون احتمال تحول خاصية كتابية معينة إلى أخرى.
وعلى خلاف علم الوراثة العرقي التطوري (Phylogenetics)، أو ما يعرف أيضاً باسم علم تطور السلالات، والذي يمكن من خلاله وفي كثير من الأحيان تحديد نماذج تغيرات وطفرات الحمض النووي، فإن تطور الأنظمة الرمزية التي صنعها الإنسان قد يتأثر بعوامل ثقافية وتقنية وإدراكية يصعب التنبؤ بها. لذلك يقارن النظام الخصائص البنيوية الموجودة في النقوش الباقية، ويستخدمها لإعادة بناء العلاقات بينها من دون فرض مسار تطوري ثابت.
كما تقدم الدراسة أيضاً مؤشرات جديدة تأخذ في عين الاعتبار مشكلة أساسية في السجل الأثري، وهي أن النقوش لا تحتوي جميعها على القدر نفسه من المعلومات. فالنصوص القصيرة قد تضم عدداً قليلاً فقط من العلامات أو الخصائص، بينما تحفظ النقوش الأطول جزءاً أكبر من نظام الكتابة. وبالتالي، فإن التعامل مع جميع النقوش باعتبارها متساوية من حيث القيمة المعلوماتية قد يؤدي إلى نتائج مضللة. ولهذا طور الباحثون مؤشرات موزونة تقلل تأثير النقوش التي تحفظ معلومات محدودة.
واختُبر المنهج على 55 نقشاً تنتمي إلى أربعة أنظمة تقليدية من كتابات روڤاش (Rovash Script) المرتبطة تاريخياً بسهوب أوراسيا وحوض الكاربات. حيث تم وصف كل نقش باستخدام 119 خاصية رسومية ثنائية تحدد وجود سمة معينة أو غيابها.
وشملت الدراسة كتابات روڤاش التركية، وكتابات روڤاش سيكيلي-المجرية، وكتابات روڤاش حوض الكاربات، وأيضاً كتابات روڤاش السهوب. حيث اندثرت معظم هذه الأنظمة التاريخية منذ نحو ألف عام، بينما لا يزال نظام كتابة روڤاش سيكيلي-المجرية (Székely-magyar Rovás) مستخدماً حتى اليوم. ونظراً إلى أن كثيراً من النقوش كانت قصيرة ويصعب تحديد تاريخها بدقة، فإن تصنيفها التقليدي قد لا يكون مؤكداً بشكل دائم.
وقد استخدم الباحثون طريقتين للتحليل متعدد المتغيرات. أنشأ التحليل الأول علاقات شجرية اعتماداً على التشابه بين الخصائص حسب طريقة ضم الجوار (Neighbor-Joining Method)، بينما استخدم التحليل الثاني تمثيلاً مكانياً لإظهار درجة القرب أو الاختلاف بين النقوش.
وجاءت النتائج لتدعم التصنيف التقليدي لأمثلة روڤاش التركية وروڤاش سيكيلي-المجرية وبشكل قوي، إذ ظهرت نقوش كل منهما في مجموعات متماسكة بوضوح. أما الفصل بين أمثلة روڤاش السهوب وروڤاش حوض الكاربات، فكان أقل وضوحاً، ما يشير إلى وجود خصائص مشتركة تتجاوز الحدود التقليدية بين النظامين.
وتطرح الدراسة عدة تفسيرات لذلك. فقد لا تعكس التصنيفات الحالية العلاقات التاريخية الحقيقية بصورة كاملة، أو قد تكون بعض الخصائص المتشابهة ظهرت بصورة مستقلة، أو ربما حدث تفاعل وامتزاج بين تقاليد كتابية مختلفة. وفي الحالة الأخيرة، قد يكون تطور هذه الأنظمة أقرب إلى شبكة مترابطة منه إلى شجرة بسيطة ذات فروع منفصلة.
ويؤكد الباحثون أن العلاقات المعاد بناؤها لا تعني أن نقشاً معيناً انحدر مباشرة من نقش آخر. فكل نقش يمثل جزءاً فقط من المعرفة الكتابية التي كان يمتلكها الكاتب.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في علم الآثار، لأن الكتابات القديمة لم تصل إلينا بشكل متساوي، حيث وصلتنا بعض الأنظمة الكتابية على شكل نصوص طويلة ومتعددة، بينما لم تأت بعض الأنظمة الأخرى سوى على شكل نقوش قصيرة أو مجزأة.
واللافت، أنه وعلى الرغم من اختبار المنهج على كتابات روڤاش فقط، إلا أنه يمكن تطبيقه مستقبلاً على أنظمة الكتابة غير المفككة، ومجموعات النقوش القديمة، وغيرها من البيانات الرمزية التي تكون فيها الأدلة ناقصة أو العلاقات التطورية غير واضحة. ولعل أبرز ما تقدمه الدراسة هو إظهار كيف يمكن للتحليل الحاسوبي والذكاء الاصطناعي أن يسهما سوية في تطوير دراسة الخطوط القديمة، وذلك من خلال كشف العلاقات البنيوية الخفية بين النقوش، واختبار ما إذا كانت التصنيفات التقليدية قادرة على أن تعكس تطور تقاليد الكتابة القديمة بشكل دقيق ومتقن.
تاريخ النشر: 09-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: npj Heritage Science