- الأخبار الأثرية
-
مقارنة بين أنماط أواني الشاي من ثمانية تقاليد خزفية صينية: نماذج مصممة يدوياً (a)، ونماذج أنشأها نظام TPGC-IGA (b)، وخوارزمية IGA التقليدية (c)، ونظام StyleGAN (d).
حقوق الصورة:
Yang et al., npj Heritage Science (2026)
«جينات رقمية» تعيد تشكيل أنماط أواني الشاي الصينية عبر القرون
طوّر باحثون نظاماً رقمياً للتراث يستخدم آلية مستوحاة من التطور البيولوجي لإعادة إنتاج ودمج الأنماط المميزة لأواني الشاي الصينية التاريخية. حيث إنه، واعتماداً على مئات القطع الباقية التي تمثل ثمانية تقاليد رئيسية لصناعة الخزف (تقاليد الأفران)، يحوّل هذا النهج خصائص مثل شكل الإناء ونوع الطلاء الزجاجي والزخرفة إلى «جينات» رقمية يمكن التحكم بها، بما يسمح بإنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد مع إمكانية تتبع السمات التي أدت إلى ظهور كل تصميم.
لقد شهدت أواني الشاي الصينية تغيرات كبيرة بين عهدي أسرتي تانغ وتشينغ، لا سيما مع تطور التقنيات والمواد والتقاليد الجمالية الخاصة بمراكز صناعة الخزف المختلفة. حيث إنه من الممكن اليوم، على سبيل المثال، التمييز بين خزف السيلادون من أفران يويه (Yue)، والأوعية ذات الطلاء الأسود من أفران جيان (Jian)، إلى جانب أنواع أخرى مثل خزف جينغدتشن (Jingdezhen)، وأباريق ييشينغ (Yixing) المصنوعة من الطين الأرجواني، كلها من خلال مجموعات مميزة من الأشكال والطلاءات والزخارف. حيث إن هذا التنوع الكبير ارتبط بتغير طرق شرب الشاي والأذواق الفنية عبر القرون.
ولرصد هذا التنوع، جمع الباحثون قاعدة بيانات تضم 420 قطعة موثقة تاريخياً ومقاسة بدقة، وهي تنتمي إلى ثمانية تقاليد للأفران هي يويه، وشينغ، وجيان، ولونغتشوان، ودينغ، وياوتشو، وجينغدتشن، وييشينغ. حيث تشمل المجموعة 281 وعاءً للشاي و139 إبريقاً، مع مواد مستمدة من مجموعات المتاحف ومراجع موثقة أخرى. ثم حُللت كل قطعة وفق ثلاثة عناصر رئيسية هي الشكل، ولون ومادة الطلاء، والزخرفة.
بعد ذلك، يبدأ النظام بتفكيك أشكال الأواني إلى مكونات فردية يمكن التعبير عنها رياضياً. فعلى سبيل المثال، يمكن تحديد وعاء الشاي من خلال خصائص تشمل الحافة والجسم والقاعدة، بينما يُقسَّم الإبريق إلى مكونات مثل الفوهة، والمصب، والجسم، والغطاء، والمقبض، والقاعدة. ويمكن بعد ذلك تعديل الأبعاد والمنحنيات ضمن نطاقات مستمدة من القطع التاريخية.
ويعتمد النظام على بنية ترميز من ثلاث طبقات تشبه التسلسل الجيني. ففي المستوى الأول يوجد «جين العصر» أو الحقبة التاريخية، وهو الذي يحدد الفترة التاريخية ويضع نطاقاً عاماً للأبعاد والنسب المقبولة. ثم يأتي «جين الفرن»، الذي يحدد السمات المرتبطة بتقليد خزفي معين، بما فيها أشكال الأوعية والطلاءات المميزة. أما الطبقة الأخيرة فتضم «جينات المعايير التفصيلية» التي تتحكم في أبعاد الإناء ومنحنياته.
وتكمن أهمية هذا التنظيم في أن السمات لا تختلط بصورة عشوائية تماماً. فالقواعد الموجودة في المستويات الأعلى تضع حدوداً لما يمكن أن يظهر في المستويات الأدنى، بحيث لا ينتج النظام مزيجاً يتعارض بوضوح مع الخصائص المحددة للعصر أو تقليد الفرن الذي تم اختياره.
ولا يبدأ النظام بإنتاج نموذج نهائي واحد، بل يولّد في كل مرحلة مجموعة من التصاميم المختلفة. ثم يعرض هذه التصاميم على المستخدم ليقيّمها وفق مقياس محدد، وهكذا يتم اختيار النماذج الأعلى تقييماً لتكون أساساً لإنتاج الجيل التالي. بعد ذلك يعيد النظام دمج «الجينات» الرقمية لهذه النماذج، مع إدخال تعديلات محدودة على بعض الخصائص، بطريقة تحاكي آليات الانتقاء والتزاوج والطفرات في الخوارزميات الجينية. ولا يعتمد الاختيار على رأي المستخدم وحده، إذ يراجع النظام أيضاً تناسق النسب الهندسية ومدى توافق كل تصميم مع الخصائص التاريخية والأسلوبية المرتبطة بالعصر وتقليد الفرن المحددين له. وبهذه الطريقة تتطور التصاميم تدريجياً عبر عدة أجيال حتى الوصول إلى نماذج تجمع بين تفضيلات المستخدم والقيود الجمالية والثقافية التي وضعها النظام.
وقد اختبر الباحثون النظام أولاً في إعادة إنتاج الأنماط المميزة لكل تقليد خزفي على حدة، ثم في تجارب أكثر تعقيداً جمعت بين خصائص مستمدة من أفران وفترات تاريخية مختلفة. ولتقييم النتائج، شارك ثمانية مصممين محترفين لأواني الخزف وخمسة خبراء في الخزف القديم في اختبارات تضمنت تقييماً أعمى للنماذج، بحيث جرى الحكم على النتائج دون الاعتماد على معرفة مسبقة بطريقة إنتاج كل نموذج.
وفي ثلاث حالات لاختبار الدمج بين أنماط الأفران المختلفة، بلغ متوسط تقييم دقة الدمج 6.53، بينما وصل متوسط التقييم الجمالي إلى 7.11. أما الاتساق التاريخي فبلغ متوسطه 6.07، لكنه لم يسجل فرقاً ذا دلالة إحصائية عن المستوى المستخدم للمقارنة. ويعني ذلك أن النماذج حققت نتائج إيجابية من حيث الشكل ودمج السمات المعروفة، بينما ظل إثبات مصداقيتها التاريخية أكثر صعوبة.
وأظهرت بعض النماذج أيضاً تشابهاً هندسياً مرتفعاً مع قطع متحفية موثقة. فقد بلغ أحد التصاميم التجريبية، الذي جمع سمات مرتبطة بتقاليد جيان وجينغدتشن، متوسط تشابه في الشكل وصل إلى 89 في المئة مع قطع مرجعية مختارة، بينما وصلت حالتان أخريان إلى 86 و88 في المئة. لكن هذه النماذج لا تمثل إعادة بناء لقطع أثرية مفقودة بعينها، بل تجارب لاستكشاف كيفية دمج السمات الأسلوبية وفق قواعد محددة.
ولا يزال النظام يواجه عدداً من القيود. فقاعدة البيانات تشمل ثمانية فقط من تقاليد الأفران الرئيسية، ولا تمثل كثيراً من الأفران الإقليمية أو الأقل شهرة. كما أن تمثيل الزخارف المعقدة، مثل الحفر والطبع والرسم الملون، ما يزال أقل تطوراً من تمثيل الشكل والطلاء. وهناك أيضاً عناصر ثقافية يصعب تحويلها إلى أرقام، مثل عادات شرب الشاي وأذواق فئات النخبة والمثقفين في الفترات التاريخية المختلفة.
ولهذا يمكن القول بأن النظام يقدم أداة تجريبية لدراسة التراث رقمياً أكثر من كونه محاكاة لعملية صناعة الخزف التاريخية نفسها. وتتمثل أهميته الأساسية في تحويل السمات الأسلوبية إلى عناصر رقمية واضحة يمكن تتبعها والتحكم بها، وهو الأمر الذي يتيح استكشاف العلاقات بين تقاليد صناعة الخزف عبر العصور بطريقة أكثر شفافية وقابلة للتحليل.
تاريخ النشر: 18-09-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: npj Heritage Science