- الأخبار الأثرية
-
قطيع من أبقار تشيلينغهام يرعى في نورثمبرلاند، إنجلترا.
حقوق الصورة:
C Michael Hogan, CC BY-SA 2.5, via Wikimedia Commons
عظام الحيوانات تكشف ألف عام من تحولات الزراعة في إنجلترا
يكشف تحليل أثري حيواني واسع أجري على بقايا الأبقار والأغنام من مواقع متعددة في إنجلترا صورة أكثر تفصيلاً لكيفية تغير الزراعة خلال نحو ألف عام من العصور الوسطى، وتحديداً بين حوالي 400 و1400 ميلادية. وبدلاً من تقسيم الأدلة إلى مراحل زمنية واسعة وعامة مثل «العصر الساكسوني المبكر» أو «العصور الوسطى العليا»، تتبع التحليل التغيرات بصورة مستمرة، ما سمح بإظهار التحولات التدريجية في استخدام الحيوانات لأغراض اللحوم والحليب والصوف والعمل الزراعي.
وقد شمل التحليل 701 مجموعة من عظام الحيوانات عُثر عليها في 460 موقعاً أثرياً. وتركزت الدراسة بصورة أساسية على الأبقار والأغنام، لكونهما من أكثر الحيوانات تأثيراً في الاقتصاد الزراعي الأوسع. ومن خلال مقارنة نسب العظام، وأعمار الحيوانات عند الذبح، وجنسها إن كان ذلك ممكناً، أمكن تتبع التغير في أولويات تربية الماشية خلال فترة طويلة من تاريخ إنجلترا.
فخلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين، كانت الأبقار هي الأكثر حضوراً في كثير من التجمعات العظمية. حيث تشير الأدلة إلى اقتصاد زراعي مختلط يقوم إلى حد كبير على الاكتفاء الذاتي، حيث رُبيت الحيوانات أساساً لإنتاج اللحوم، مع الاحتفاظ بجزء منها لإنتاج الحليب أو لاستخدامها في عمليات الجر. ومع ذلك، تكشف بعض المواقع استمرار ممارسات زراعية موروثة من العصر الروماني خلال القرن الخامس، ومنها الاحتفاظ بأبقار أكبر سناً لاستخدامها في الأعمال المرتبطة بزراعة الحقول.
ومن ثم بدأ تحول مهم بالظهور في أوائل القرن السابع، عندما ازدادت أهمية الأغنام، ولا سيما في المواقع الرهبانية والريفية. ويبدو أن هذا الارتفاع يسبق التوسع الملحوظ في إنتاج الصوف في العصور الوسطى خلال القرن التاسع. وتشير الأدلة كذلك إلى أن تربية الأغنام في أملاك الأديرة ربما وفرت فائضاً من الصوف منذ القرن السابع، وأسهمت في اتساع شبكات التبادل ونمو مراكز التجارة.
واعتباراً من القرن التاسع فصاعداً، استمرت الأغنام في اكتساب أهمية متزايدة، بينما ازداد التركيز على تربية الأبقار حتى بلوغها أعماراً متقدمة. وبين نحو 900 و1100 ميلادية، كان قرابة 60 في المئة من الأبقار التي ظهرت في بيانات الأعمار هي من الحيوانات البالغة والمتقدمة نسبياً في السن. ويعني ذلك أن كثيراً منها لم يكن يُربى من أجل الذبح السريع وإنتاج اللحوم فقط، بل كان يتم الاحتفاظ به لاستخدامات أخرى، مثل إنتاج الحليب، وبشكل خاص أعمال الجر.
وعلى العموم، يرتبط ازدياد استخدام الأبقار العاملة بتوسع زراعة الحبوب. فقد أصبحت دلائل استخدام أبقار مخصصة للجر أكثر وضوحاً منذ القرن التاسع، وبلغت ذروتها بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر. ومع ارتفاع أعداد الأغنام، تشير هذه الأنماط إلى تزايد أهمية الزراعة الحقلية مع نمو السكان واتساع المدن وارتفاع الطلب على الغذاء. كما ساعدت الأغنام في دعم زراعة الحبوب من خلال توفير السماد، والرعي القائم على بقايا المحاصيل بعد الحصاد، إلى جانب إنتاج الصوف والحليب واللحوم.
وبحلول نحو عام 1000 ميلادية، أصبحت الأبقار والأغنام تظهر بنسب متقاربة في كثير من التجمعات الأثرية، رغم أن البقرة الواحدة كانت توفر كميات أكبر بكثير من اللحوم والحليب والمواد الأخرى مقارنة بالخروف. كما ظهرت اختلافات إقليمية، إذ كانت الأغنام أكثر شيوعاً في المناطق ذات التربة الطباشيرية والرملية الخفيفة، بينما برزت الأبقار بصورة أكبر في بعض المناطق الشمالية والغربية. إلا أن التفاوت في حالة حفظ العظام في بعض المناطق يحد من مدى دقة تفسير هذه الاختلافات.
وبعد ذلك، بدأ تحول رئيسي آخر بالظهور منذ القرن الثاني عشر، عندما زادت نسبة الأبقار التي تُذبح في أعمار أصغر، وهو ما يشير إلى ارتفاع الطلب على لحم البقر. كما أن زيادة أعداد العجول في القرنين الثالث عشر والرابع عشر تتوافق مع توسع إنتاج الألبان. وفي الوقت نفسه، أخذت الخيول تحل تدريجياً محل الأبقار في أعمال الجر الزراعي. وتشير التقديرات إلى أن الخيول العاملة كانت تمثل نحو 5 في المئة فقط من حيوانات الجر في زمن كتاب ونشستر، المعروف أيضاً باسم كتاب يوم الحساب (Domesday Book)، وهو سجل واسع للأراضي والملكيات والموارد في إنجلترا، وبعد ذلك ارتفعت نسبتها إلى نحو 20–50 في المئة بحلول عام 1400.
وتظهر الصورة العامة أن اقتصاد تربية الحيوانات في إنجلترا لم يتغير من خلال سلسلة من التحولات المفاجئة، بل عبر تغيرات تراكمية امتدت قروناً. فقد انتقلت الزراعة من إنتاج محلي يعتمد إلى حد كبير على الاكتفاء الذاتي بعد نهاية الحكم الروماني إلى اقتصاد زراعي أكثر ترابطاً، قادر على دعم المدن المتنامية والتجارة الدولية وسكان بلغ عددهم عدة ملايين. كما وتعكس التغيرات المتعاقبة التي طرأت على أهمية الصوف والحبوب والجر والحليب واللحوم مدى ارتباط إدارة الحيوانات بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الأوسع في إنجلترا خلال العصور الوسطى.
تاريخ النشر: 03-09-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: PLOS One