- الأخبار الأثرية
-
عظم قصبة معدل لخروف أو ماعز من موقع أبو صلابيخ، ويظهر حافة ملساء مشغولة.
حقوق الصورة:
Greenfield et al., Frontiers in Environmental Archaeology (2026)
حتى في عصر المعادن.. النصول الحجرية واصلت تقطيع اللحوم في العراق القديم
تكشف الآثار المجهرية المحفوظة على عظام الحيوانات المكتشفة في موقع أبو صلابيخ في جنوب العراق أن الأدوات الحجرية ظلت حاضرة بقوة في إعداد الطعام اليومي، حتى في مجتمع كان يعرف بالفعل تقنيات استخدام المعادن. حيث يُظهر تحليل علامات الذبح والتقطيع في منزل يعود إلى عصر السلالات المبكرة أن معالجة الذبائح جرت أساساً باستخدام شفرات أو نصول حجرية مشذبة، لا سكاكين معدنية، ما يقدم لمحة تفصيلية عن الطريقة التي حدث بها التغير التقني في الحياة اليومية خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد.
ويقع أبو صلابيخ في السهل الرسوبي لجنوب بلاد الرافدين، على أحد روافد نهر الفرات. وقد شهد الموقع مراحل استيطان متعددة منذ أواخر فترة أوروك، وبلغ أكبر اتساع له خلال عصر السلالات المبكرة الثالث قبل أن يُهجر لاحقاً في الألفية الثالثة قبل الميلاد. وركزت الدراسة على المنزل 6H، وهو مسكن ميسور لكنه لا ينتمي إلى فئات النخبة، ويرجع إلى نحو 2600–2350 قبل الميلاد.
وتفصيلاً، فقد ضم المنزل عدداً كبيراً من الغرف والساحات ومناطق العمل، إضافة إلى ملحق للمطبخ وقاعات للاستقبال وممرات مجاورة ومدافن داخل المجمع السكني. وقد احتفظت هذه السياقات المختلفة بأدلة على الأنشطة المنزلية، بما فيها إعداد الطعام ومعالجة الحيوانات. حيث كانت الحيوانات المستأنسة هي الغالبة في المجموعة العظمية المكتشفة، ولا سيما الأغنام والماعز، تليها الخنازير، بينما ظهرت الأبقار وبعض الأنواع البرية بنسب أقل.
وسجل الباحثون 54 عينة عظمية تحمل آثاراً مرتبطة بالذبح، من بينها علامات ناتجة عن التقطيع والحز والفرم والكشط. واختيرت 16 عينة تحمل شقوقاً واضحة وغير متداخلة لإجراء فحص أكثر دقة. وصُنعت قوالب سيليكون لهذه العلامات ثم دُرست بالمجهر الضوئي والمجهر الإلكتروني الماسح، ما سمح بفحص شكل الأخاديد والخطوط الدقيقة المصاحبة لها ومقارنتها بالآثار التي تنتج عادة عن الأدوات الحجرية أو المعدنية.
ويظهر الفرق بين النوعين على المستوى المجهري. فالسكاكين المعدنية تترك غالباً أخاديد أنظف وأكثر انتظاماً وتأخذ مقطعاً أقرب إلى شكل حرف V المتناظر، مع جوانب أكثر نعومة وخطوط ثانوية منتظمة. أما الأدوات الحجرية المشذبة فتنتج أخاديد أقل انتظاماً وأعرض نسبياً بسبب عدم استواء حوافها القاطعة، وقد تظهر إلى جانب الأخدود الرئيسي خطوط جانبية دقيقة وغير متساوية.
وأظهرت العينات الست عشرة جميعها خصائص تتوافق مع استخدام شفرات أو رقائق من الحجر المشذب. ونُسبت علامات خمس عشرة عينة إلى حواف حجرية أُنتجت من جهة واحدة ولم تخضع لإعادة تشذيب، بينما ربما استُخدمت أداة معاد تشذيبها في عينة واحدة فقط. ولم تكشف أي من العينات عن علامات مميزة لسكاكين معدنية. وتشير النتيجة بالتالي إلى أن الحجر المشذب كان التقنية الأساسية المستخدمة في تقطيع الحيوانات داخل المنزل الذي شملته الدراسة.
وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من أن تقنيات التعدين واستخدام المعادن كانت معروفة بالفعل في بلاد الرافدين. فقد وُجدت قطع معدنية في سياقات تعود إلى عصر السلالات المبكرة، إلا أن وجود النحاس والبرونز لم يعنِ بالضرورة استخدامهما في جميع الأعمال اليومية. ففي موقع أبو صلابيخ كانت القطع النحاسية التي عثر عليها في البيئات المنزلية قليلة، واقتصرت بصورة عامة على أدوات أو أشياء صغيرة، في حين كانت الشفرات الحجرية حادة ومتاحة وأقل كلفة، فضلاً عن سهولة استبدالها أو إعادة شحذها.
وبذلك، تتحدى هذه النتائج التصور المبسط القائل بأن المعدن حل محل الحجر بسرعة فور ظهور تقنيات التعدين، إذ يبدو أن التغير التكنولوجي كان انتقائياً. فقد اكتسبت المواد الجديدة أهمية في صناعة الأسلحة والحلي والأدوات المرتبطة بالطقوس، أو في سياقات تعكس المكانة الاجتماعية المرموقة، بينما واصلت التقنيات القديمة أداء مهامها اليومية بكفاءة.
ويشير توزيع العظام التي تحمل علامات الذبح داخل المنزلH6 أيضاً إلى أن معالجة الحيوانات لم تكن محصورة في مكان واحد. فقد ظهرت الأدلة أيضاً في الساحات ومناطق العمل وقرب المطبخ وفي بعض المدافن والمساحات الخارجية، وهو ما يوضح أن تقطيع الذبائح ارتبط بعدة أنشطة وسياقات داخل المجمع السكني، بدلاً من أن يكون نشاطاً منفصلاً في غرفة متخصصة. وتنسجم هذه الصورة مع نمط معروف في مناطق أخرى من الشرق الأدنى القديم، حيث استمر استخدام الأدوات الحجرية في تقطيع الحيوانات لفترة طويلة بعد ظهور المعادن. ولم تصبح السكاكين المعدنية شائعة في معالجة الذبائح اليومية إلا خلال فترات لاحقة من العصر البرونزي.
واللافت، أنه ومن خلال قراءة آثار صغيرة بقيت على عظام حيوانات جرى التخلص منها منذ آلاف السنين، تقدم هذه الدراسة وسيلة مختلفة لتتبع كيفية تبني التقنيات الجديدة. فالأدوات المعدنية نفسها قد يُعاد صهرها أو الاحتفاظ بها أو توضع في سياقات مختارة، أما علامات القطع على العظام فتعمل على تسجيل ما كان يتم استخدامه فعلياً في العمل اليومي. وفي موقع أبو صلابيخ، تشير هذه العلامات جميعها إلى أن ظهور التقنيات الجديدة لم يؤدِ إلى اختفاء الممارسات القديمة فوراً، بل ظل الحجر محتفظاً بمكانته كأداة عملية وفعالة في إعداد الطعام.
تاريخ النشر: 12-09-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية