- الأخبار الأثرية
-
منحوتة مصرية قديمة من النقش البارز تُصوِّر مسؤولاً رفيع المستوى وزوجته في رحلة حج طقسية. يعود تاريخ هذا العمل الفني إلى العصر المتأخر (الأسرة السادسة والعشرين)، وتحديداً خلال عهد الفرعون بسماتيك الأول.
حقوق الصورة:
David Liam Moran, CC BY-SA 3.0, via Wikimedia Commons
أدلة جديدة تعيد فتح النقاش حول التضحية البشرية في أبيدوس
تعيد دراسة حديثة لبقايا بشرية اكتُشفت قبل أكثر من قرن في أبيدوس بجنوب مصر فتح النقاش حول بعض أقدم المدافن الملكية في التاريخ المصري، بعدما كشفت التحليلات الحديثة عن إصابات لم يلاحظها المنقبون الأوائل، أو فسروها بوصفها أضراراً حدثت بعد الدفن.
وتأتي هذه البقايا من قبور جانبية تحيط بالمجمعات الجنائزية الملكية للأسرة الأولى في أم القعاب، والتي تعود تقريباً إلى الفترة بين 3078 و2900 ق.م. حيث دُفن مئات الأشخاص حول المقابر والمنشآت الجنائزية للملوك الأوائل ممن يُعتقد أن بينهم أفراداً من الحاشية الملكية إلى جانب الموظفين والحرفيين. ومنذ اكتشاف هذه المدافن، ظل سؤال واحد يثير الجدل: هل مات هؤلاء بصورة طبيعية، أم قُتل بعضهم عمداً كي يرافقوا الحاكم المتوفى إلى العالم الآخر فيما يعرف باسم " قرابين الحاشية أو التضحية التبعية"؟ في الواقع، وعندما جرى التنقيب في هذه القبور خلال أوائل القرن العشرين، لم يسجل الباحثون دليلاً واضحاً على إصابات قاتلة في الهياكل العظمية. وأصبح هذا الغياب المفترض للعنف لاحقاً واحداً من أبرز الحجج ضد فرضية التضحية، رغم أن المنقبين الأوائل أنفسهم ظلوا يعتقدون أن الدفن المتزامن لأعداد كبيرة من أفراد الحاشية قد يشير إلى شكل من أشكال القتل المرتبط بالطقوس. كما وظهرت أيضاً فرضية أكثر إثارة، تقول إن بعض الأشخاص ربما دُفنوا أحياء بسبب الوضعيات غير المعتادة التي ظهرت عليها أجسادهم.
لكن أدوات علم الآثار الحيوي والطب الشرعي الحديثة ترسم اليوم صورة مختلفة. فقد كشف الفحص الجديد لـ46 جمجمة محفوظة من هذه المدافن عن إصابات حدثت في وقت قريب من الوفاة لدى 18 شخصاً، أي نحو 39% من العينة. ويستخدم الباحثون مصطلح "إصابات محيطة بالوفاة" لوصف الكسور والجروح التي تحدث عندما يكون العظم لا يزال محتفظاً بخصائصه الحيوية، قبل أن يجف ويصبح هشاً. وكانت الكسور الخطية الممتدة عبر الجمجمة هي الإصابات الأكثر شيوعاً، إلا أن الباحثين رصدوا أيضاً عدة جروح ناجمة عن أدوات حادة، بما في ذلك إصابة نافذة في جانب الرأس وإصابة خطيرة أخرى حول العين.
ولا يعني ذلك أن جميع المدفونين قُتلوا أو قُدموا كضحايا، كما لا يمكن إثبات أن كل إصابة مكتشفة كانت السبب المباشر للوفاة. فقد يكون بعض الأشخاص قد ماتوا لأسباب أخرى ثم دُفنوا ضمن المجمع الملكي. ومع ذلك، فإن وجود إصابات خطرة لدى نسبة كبيرة من الجماجم الباقية يغير أساس النقاش القديم، الذي لطالما اعتمد على الاعتقاد بعدم وجود آثار للعنف.
ومن اللافت أن المنقبين الأوائل ربما شاهدوا بعض هذه الكسور بالفعل. فقد استُخدم شمع البارافين بكثرة لتثبيت الجماجم الهشة، وفي عدد من الحالات وُضع مباشرة حول مناطق الكسر، ما يرجح أن الضرر كان ملحوظاً لكنه فُسر آنذاك على أنه نتيجة لضغط التربة أو التلف اللاحق للدفن. أما اليوم، فتتيح عقود من الدراسات الجنائية والتجريبية تمييز الكسور التي حدثت أثناء حياة الإنسان أو حول وقت وفاته عن تلك التي أصابت العظم بعد تحلله بدرجة أكبر من الدقة.
كما أصبحت فرضية دفن الحاشية أحياء أقل وضوحاً مما بدت عليه قبل قرن. فالوضعيات التي اعتُبرت سابقاً دليلاً على محاولة الأشخاص التحرك داخل القبور يمكن تفسيرها أيضاً بحركة الجسد أثناء التحلل، وانهيار الأنسجة الرخوة، وطريقة دخول الرمال والرواسب إلى الفراغ المحيط بالجثة. ولذلك لا توفر الصور والسجلات القديمة دليلاً حاسماً على أن المدفونين كانوا أحياء عند إغلاق قبورهم.
ولا يزال تحديد كيفية حدوث الإصابات أمراً صعباً. فالكسور الخطية الشائعة في جماجم أبيدوس لا تتوافق بصورة جيدة مع الكسور الغائرة التي يمكن أن تحدث نتيجة ضربة قوية بمقمعة حجرية، رغم شهرة مشاهد الملوك المصريين وهم يضربون الأعداء بهذه الأسلحة. وتشير الدراسات التجريبية إلى أن بعض هذه الكسور قد تنتج عن الاصطدام بأجسام عريضة ومسطحة نسبياً، لكن الأداة والظروف الدقيقة للوفاة تبقى غير معروفة. وتفرض طبيعة المجموعة نفسها حدوداً مهمة على النتائج. فالجماجم الـ46 المحفوظة لا تمثل سوى نحو 5% إلى 15% من مجموع المدفونين في كل من المجمعات التي شملتها الدراسة، كما أن العديد من القبور تعرضت للنبش والعبث منذ العصور القديمة، وفُقدت أجزاء كبيرة من الهياكل العظمية، كما أن عمليات الترميم التاريخية قد تحجب أحياناً تفاصيل أسطح العظام.
لهذا لا تحسم الدراسة مسألة التضحية البشرية في أبيدوس بصورة نهائية. لكنها تجعل فرضية التضحية بالأتباع أكثر قابلية للنقاش مما كانت عليه سابقاً عندما ساد الاعتقاد بأن الهياكل العظمية لا تحمل أي أثر للإصابات، كما أنها وفي الوقت نفسه، تكشف أن الطقوس الجنائزية المحيطة بأقدم ملوك مصر ربما كانت أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن تفسرها فرضية واحدة.
والقصة هنا لا تتعلق بأبيدوس وحدها. فالمجموعات الأثرية التي بقيت لعقود في المتاحف والمخازن قد تحمل معلومات لم يكن من الممكن قراءتها عند اكتشافها أول مرة. واللافت، أنه أحياناً تؤكد التقنيات الحديثة ما قاله الباحثون الأوائل، لكن أحياناً تغيره بالكامل. وفي أبيدوس، يبدو أن العظام القديمة تروي قصة مختلفة للموت حول المقابر الملكية، كما وتكشف عن تعقيدات أكبر بكثير في طريقة فهمنا للماضي.
تاريخ النشر: 06-10-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية