- الأخبار الأثرية
-
أنثى بعوضة Anopheles stephensi أثناء تغذيتها على دم الإنسان. وتُعد هذه البعوضة من نواقل الملاريا، وقد سُجل وجودها تاريخياً في البحرين، ولا سيما في المناطق المرتبطة بالبساتين المروية وأنظمة إدارة المياه.
حقوق الصورة:
Jim Gathany, via Wikimedia Commons
قبور جماعية في البحرين تطرح تساؤلات عن الملاريا قبل 1500 عام
قد تحمل مجموعة من القبور الجماعية غير المعتادة في البحرين آثار أزمة صحية شهدتها الجزيرة قبل نحو 1500 عام. حيث إنه وفي دراسة جديدة، اختبر الباحثون احتمالية أن تكون موجة وبائية من الملاريا قد أسهمت في ارتفاع الوفيات، مستندين إلى مجموعة واسعة من الأدلة شملت الرفات البشرية والمناخ القديم وأنظمة الري والزراعة والبيئات المناسبة لتكاثر البعوض.
وتعود القبور إلى مقبرة تُعرف باسم DS3، وترتبط بفترة حضارة تايلوس المتأخرة، أو الفترة الساسانية. حيث يبدو أن اثنتين من هذه المقابر الجماعية قد أُنشئتا خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، ربما أقل من عقد من الزمان، وهي الفترة التي تزامنت تقريباً مع بداية عصر "طاعون جستنيان" في منتصف القرن السادس الميلادي. واللافت أن تلك المقابر تميزت بالعدد الكبير وغير العادي من الأفراد المدفونين فيها، وأيضاً طريقة تكدس الجثث واختلاطها، إلى جانب التوزيع غير المعتاد لأعمار المتوفين، وهو الأمر الذي دفع الباحثين في دراسات سابقة إلى ترجيح تعرض المجتمع المحلي لكارثة قصيرة الأمد.
ورغم أن عملية تحديد التاريخ تتزامن تقريباً مع ظهور الطاعون الناجم عن بكتيريا يرسينيا الطاعونية (Yersinia pestis) نحو عام 541 ميلادي، إلا أن الباحثين لا يرون في الطاعون التفسير الأكثر إقناعاً لهذه المقابر في البحرين. فقد طرحت دراسات سابقة احتمالات أخرى، مثل الكوليرا أو تفشي الملاريا. وتركز الدراسة الجديدة بشكل خاص على الملاريا، وتطرح تساؤلاً أكثر حذراً: هل تتوافق الأدلة الأثرية مع ما يمكن توقعه في حالة تفشي وباء ما؟
وللإجابة عن ذلك، أعاد الباحثون أولاً بناء صورة للبيئة التي يمكن أن تنتشر فيها الملاريا في البحرين. فعلى الرغم من مناخ الجزيرة الجاف وقلة الأمطار، اشتهرت البحرين تاريخياً بوفرة ينابيع المياه العذبة التي سمحت بقيام نشاط زراعي واسع، ولا سيما زراعة النخيل. وكانت المياه تُوزع عبر قنوات إلى البساتين، حيث نشأت مصارف وآبار ضحلة وبرك ومناطق مشبعة بالمياه يمكن أن توفر بيئات مناسبة لتكاثر البعوض. وتؤكد سجلات من القرن العشرين أن حالات الملاريا كانت أكثر ارتباطاً بالمناطق الزراعية وشبكات الري.
وقد تكون هذه العلاقة بين الزراعة والمرض قديمة جداً. فالأدلة الأثرية تشير إلى استخدام مياه الينابيع لري النخيل في البحرين منذ العصر البرونزي على الأقل. وكان إغراق أجزاء من البساتين بالمياه يساعد على حماية المزروعات من الحرارة والملوحة، لكنه كان في الوقت نفسه يترك مياهاً راكدة أو بطيئة الحركة تصلح لتكاثر يرقات البعوض. ومن هنا يرى الباحثون أن طريقة استغلال الإنسان للمياه والأرض كانت جزءاً أساسياً من البيئة التي سمحت للملاريا بالاستمرار.
لكن المناخ وحده لا يقدم تفسيراً مباشراً للوفيات التي حدثت في القرن السادس. فعلى الرغم من أن نماذج المناخ القديم أظهرت أن الظروف كانت تسمح بانتقال الملاريا في تلك الفترة، إلا أن التغيرات المناخية المرتبطة بما يعرف بـ«العصر الجليدي الصغير في العصور القديمة المتأخرة» لم تكن كبيرة بما يكفي لتفسير ظهور وباء واسع بمفردها وفقاً للدراسة. أي ربما غيرت درجات الحرارة توقيت موسم انتقال المرض، خاصة في المناطق الواقعة على أطراف نطاق الينابيع، من دون أن تكون السبب الوحيد في تفشيه. ويطرح الباحثون احتمالاً آخر يرتبط بالتغير في الزراعة وإدارة المياه. فقد يكون انخفاض منسوب الينابيع وازدياد ملوحتها دفع السكان إلى تكثيف الري، أو الاعتماد بدرجة أكبر على الآبار، أو ترك بعض منشآت المياه القديمة من دون استخدام. ومن المعروف تاريخياً أن الآبار المهجورة وسوء تصريف المياه وإغراق البساتين يمكن أن يوفر بيئات مثالية لتكاثر البعوض. ولذلك قد تكون تغيرات محلية محدودة في إدارة المياه كافية لزيادة خطر انتشار الملاريا في بعض المجتمعات.
وتقدم الرفات البشرية بعض الأدلة التي تتوافق مع هذا الاحتمال. فقد ضمت القبور الجماعية نسبة مرتفعة بصورة لافتة من الأطفال، وخاصة الرضع الذين لم يتجاوز عمرهم ستة أشهر. ويمكن أن يتوافق هذا النمط مع تفشي الملاريا، إذ قد يؤدي إصابة النساء أثناء الحمل إلى زيادة مخاطر الولادة المبكرة وانخفاض وزن المواليد والوفاة في الأشهر الأولى من العمر. كما أظهرت الدراسة أن نسبة المواليد ذوي العظام الأقصر من المتوقع كانت أعلى في هذه القبور مقارنة بالقبور العادية في المقبرة نفسها.
وتشير بعض ملامح العظام أيضاً إلى أن الوفيات ربما حدثت خلال فترة قصيرة. فقد كانت التغيرات التي تظهر عادة عندما يتعرض نخاع العظم لضغط مستمر، كما في حالات فقر الدم المزمن، أقل شيوعاً بين أطفال القبور الجماعية. وقد ينسجم ذلك مع مرض حاد يؤدي إلى الوفاة قبل أن تتاح للعظام فرصة لإظهار هذه التغيرات بوضوح. ومع ذلك، لا تُعد هذه العلامات دليلاً خاصاً بالملاريا، لأنها قد تظهر أيضاً نتيجة حالات أخرى، من بينها سوء التغذية وبعض الاضطرابات الدموية.
وفي المقابل، لا تتفق جميع النتائج مع ما يتوقعه الباحثون في حال وقوع وباء الملاريا. فمن المفترض أن يؤدي تأثر النساء الحوامل إلى ارتفاع أوضح في وفيات الشابات، إلا أن هذا النمط لم يظهر بصورة مؤكدة. كما أن عدد البالغين في العينة كان محدوداً، فضلاً عن اختلاط الهياكل العظمية داخل القبور، ما يجعل ربط بعض الإصابات بعمر أو جنس شخص بعينه أمراً صعباً.
ولهذا لا تعتبر الدراسة الملاريا تفسيراً مؤكداً لهذه الوفيات، لكنها ترى أن هذا الاحتمال لا يزال قائماً، رغم وجود بعض النتائج التي لا تتوافق معه تماماً، ولا سيما ما يتعلق بنمط وفيات البالغين. كما يطرح الباحثون احتمال أن تكون الملاريا قد عملت إلى جانب عوامل أخرى، مثل سوء التغذية، وأسهمت معها في زيادة الوفيات. وقد تساعد تحاليل الحمض النووي القديم مستقبلاً في إثبات وجود طفيليات الملاريا، لكن اكتشافها لن يكون كافياً وحده لإثبات أن المرض كان السبب المباشر للوفيات الجماعية.
وتتجاوز أهمية الدراسة محاولة تفسير هذه القبور، إذ توضح أن فهم الأمراض القديمة يتطلب النظر إلى شبكة كاملة من العوامل تشمل المناخ والمياه والزراعة والبعوض وحركة السكان وقدرة الإنسان على التكيف.
وتبقى هوية الكارثة التي أصابت المجتمع المرتبط بمقبرة DS3 غير محسومة حتى الآن، لكن الجمع بين الأدلة الأثرية والبيئية والبيولوجية يضيق نطاق الاحتمالات، ويكشف في الوقت نفسه كيف كان لتغيرات محدودة في إدارة المياه والبيئة أن تؤثر في صحة المجتمعات التي عاشت في منطقة الخليج قبل قرون.
تاريخ النشر: 01-11-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية