- الأخبار الأثرية
-
مجمع الحمامات والجيمناسيون في سارديس بآسيا الصغرى، وهو مثال على المنشآت الضخمة التي جمعت بين مرافق الاستحمام ووظائف الجيمناسيون في مدن شرق الإمبراطورية الرومانية.
حقوق الصورة:
Raicem, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons
كيف تغير الجيمناسيون اليوناني تحت الحكم الروماني؟
على مدى قرون، كان الجيمناسيون، وهو مرفق رياضي وتعليمي، يمثل ركيزة أساسية في الحياة المدنية في العالم اليوناني، إذ لم يكن مجرد مكان لممارسة التمارين البدنية، بل كان مساحة يتدرب فيها الشباب بدنياً، ويتلقون جانباً من التعليم العسكري والفكري، ويشاركون في المراسم العامة، ويتعلمون معنى الانتماء إلى مدينتهم.
لكن هذه المؤسسة لم تبقَ على حالها بعد خضوع اليونان للحكم الروماني. فبحسب مراجعة علمية حديثة لكتاب يتتبع تطور الجيمناسيون في اليونان من أواخر العصر الهلنستي حتى العصور القديمة المتأخرة، لم تختفِ هذه المؤسسة مع تغير الظروف السياسية والاجتماعية، بل تكيفت معها، حيث تبدلت بعض وظائفها التعليمية والاجتماعية، ودخلت إليها عناصر جديدة مرتبطة بالعالم الروماني، في حين يُحتمل أن تكون بعض أنشطتها قد انتقلت لاحقاً إلى منشآت عامة أخرى، ولا سيما الحمامات.
ويركز الكتاب على مدن مقاطعة آخايا الرومانية (Achaea)، حيث يجمع الأدلة المتعلقة بـ51 مرفق جيمناسيون من خلال النصوص القديمة والنقوش والمكتشفات الأثرية. ومع ذلك، فإن طبيعة هذه الأدلة تبقى متفاوتة، إذ لم يُنقَّب إلا عن عدد قليل من هذه المواقع، ولم تُنشر تفاصيل كافية عنها تتيح تكوين تصور دقيق لتطورها عبر الزمن. أما المواقع الأخرى، فلا يُعرف عنها سوى ما ورد في النقوش أو المراجع القديمة، مما يجعل تحديد مواقعها وتواريخها أمراً بالغ الصعوبة.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات، تشير الأدلة إلى أن الجيمناسيون حافظ على مكانته في المجتمع اليوناني خلال العصر الروماني. فقد شارك أفراد من النخب الرومانية في الحياة المرتبطة بهذه المؤسسات، كما دخلت عبادة الإمبراطور إلى بعض المساحات التي كانت ترتبط تقليدياً بتعليم الشباب وإعدادهم للحياة المدنية. وتشير النقوش كذلك إلى مشاركة أبناء عائلات رومانية وإيطالية استقرت في مقاطعة آخايا في الإفيبيا (Ephebeia)، وهي مؤسسة تعليمية وتدريبية مخصصة للشباب ارتبطت بالجيمناسيون وبإعداد الشباب للمشاركة في المجتمع والمدينة.
كما أن طبيعة التعليم داخل الجيمناسيون لم تتغير وفق مسار واحد وواضح. فقد افترضت بعض الدراسات القديمة أن التدريب العسكري أخذ يتراجع تدريجياً منذ أواخر العصر الهلنستي، بينما ازدادت أهمية التعليم الفكري. إلا أن الأدلة التي يناقشها الكتاب ترسم صورة أكثر تنوعاً، إذ استمرت الأنشطة البدنية والعسكرية والفكرية جنباً إلى جنب، وإن اختلفت مكانة كل منها من مدينة إلى أخرى. وربما أصبح التدريب العسكري في بعض البيئات أقل ارتباطاً بالاستعداد المباشر للحرب وأكثر اتصالاً بالتربية المدنية والرمزية، ولكن من دون أن يختفي تماماً.
ولم تقتصر التحولات على وظيفة الجيمناسيون، بل شملت مبانيه أيضاً. فمنذ القرن الأول الميلادي بدأت مرافق الاستحمام بالمياه الساخنة تظهر في بعض هذه المنشآت. وفي مدن آسيا الصغرى أدى هذا التطور إلى ظهور مجمعات ضخمة جمعت بين الحمامات والجيمناسيون ضمن منشآت متعددة الوظائف. أما في منطقة آخايا، فلم يظهر نموذج معماري مماثل بالحجم والتنظيم نفسيهما، وربما يعود ذلك جزئياً إلى طبيعة التخطيط العمراني للمدن وإلى استمرار بعض التقاليد المعمارية المحلية.
ومع ذلك، فإن غياب هذه المجمعات الضخمة من الحمامات والصالات الرياضية لا يعني بالضرورة تلاشي وظائف هذه المؤسسة، فقد كانت الحمامات تُشيَّد أحياناً بجوار الجيمناسيون، مما يرجح أن الأنشطة التي كانت ترتبط سابقاً بالجيمناسيون انتقلت تدريجياً إلى هذه المساحات العامة الجديدة. ففي مدينة سيكيون، على سبيل المثال، احتوت الحمامات على مذابح مكرسة لهيرميس وهرقل وأبولو، بينما عُثر في أرغوس على نقوش مرتبطة بمسؤولين عن هذه المؤسسة. وتدل هذه الأدلة على وجود علاقة أكثر تعقيداً من مجرد استبدال مؤسسة بأخرى.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عند النظر إلى التسلسل الزمني لتراجع مباني الجيمناسيون. فقد بدأ التخلي عن بعضها منذ منتصف القرن الأول الميلادي، وأصبح هذا الاتجاه أكثر وضوحاً خلال النصف الثاني من القرن الثاني. ومع ذلك، تُظهر النقوش أن الإفيبيا استمرت حتى الربع الثالث من القرن الثالث الميلادي على الأقل. وهذا الاختلاف بين اختفاء عدد من المباني واستمرار المؤسسة نفسها يطرح سؤالاً مهماً: أين كانت أنشطة الشباب تُمارس بعد توقف مرافق الجيمناسيون التقليدية عن العمل؟ ويطرح الباحثون الحمامات والمنشآت العامة الأخرى باعتبارها أماكن محتملة، لكن الأدلة الحالية لا تكفي لحسم المسألة.
ولم يكن العصر الروماني، في الوقت نفسه، مرحلة تراجع متواصل للجيمناسيون. فقد شهدت بعض المدن فترات تجدد فيها الاهتمام بهذه المنشآت والاستثمار فيها. وظهرت إحدى هذه المراحل في عهد أغسطس وخلفائه الأوائل، كما يتضح في مدن ميسيني وكورنث، ثم برزت مرحلة أخرى منذ عهد هادريان وحتى نهاية القرن الثاني الميلادي، ولا سيما في مدن مانتينيا وأثينا. ويشير ذلك إلى أن الجيمناسيون ظل يحمل قيمة تتجاوز وظيفته التعليمية والرياضية، بوصفه أيضاً رمزاً للثقافة والهوية اليونانية داخل الإمبراطورية الرومانية.
وعليه، يمكن وصف المشهد العام بأنه عملية تكيف بدلاً من كونه اختفاءً مفاجئاً، فقد شهدت الصالات الرياضية اليونانية تغيرات في بنيتها المعمارية، وتركيبتها الاجتماعية، ودورها التعليمي، وذلك تماشياً مع تكيف المدن مع الحكم الروماني. ومع أن المباني التقليدية فقدت في نهاية المطاف وظائفها الأصلية، إلا أن بعض الممارسات والهويات المرتبطة بها ربما استمرت في أماكن أخرى.
وبعبارة أخرى، تكشف هذه التحولات كيف استطاعت مؤسسة متجذرة في تاريخ المدن اليونانية أن تستمر في بيئة سياسية واجتماعية جديدة، ليس من خلال الحفاظ على شكلها القديم كما هو، بل عبر إعادة تشكيل أدوارها وممارساتها بما يتلاءم مع عالم أصبح يونانياً ورومانياً في آن واحد.
تاريخ النشر: 31-10-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Journal of Roman Archaeology