- الأخبار الأثرية
-
منظر جوي لأعمال التنقيب الأثري التي أُجريت عام 2019 في ليسمور، اسكتلندا، ويظهر في المقدمة المبنى البيضاوي ومنطقة تشغيل المعادن.
حقوق الصورة:
Ellis et al., Antiquity (2026)
اكتشافات في جزيرة ليسمور تكشف عن مركز رهباني هام يعود للعصور الوسطى
تعيد الاكتشافات الأثرية في جزيرة ليسمور الاسكتلندية رسم صورة أحد المراكز المسيحية المبكرة التي ظل دورها لفترة طويلة بعيداً عن دائرة الاهتمام في غرب بريطانيا، فقد كشفت أعمال التنقيب هناك عن مقبرة واسعة، ومبانٍ قديمة، وورش حرفية متخصصة، إلى جانب أدلة على صناعة المعادن النفيسة، وهي نتائج تشير مجتمعة إلى وجود مجتمع رهباني ثري ومؤثر ازدهر في الجزيرة بين القرنين السابع والعاشر الميلاديين.
وتقع جزيرة ليسمور، المعروفة باللغة الغيلية باسم ليوس مور (Lios Mòr)، عند مدخل بحيرة لوخ ليني في منطقة أرغيل بغرب اسكتلندا. وترتبط الجزيرة تاريخياً بالقديس مو لوك، أو مولواغ، الذي تنسب إليه المصادر تأسيس دير في القرن السادس، فيما تسجل الحوليات الأيرلندية وفاته نحو عامي 593–594 م. وبحلول أواخر القرن السابع، أصبحت الجزيرة جزءاً من مملكة دال رياتا (Dál Riata) الناطقة بالغيلية، والتي امتدت شبكاتها الدينية والسياسية عبر غرب اسكتلندا وشمال أيرلندا.
وعلى الرغم من هذه الإشارات التاريخية، ظل تحديد موقع الدير على أرض الواقع أمراً صعباً لقرون. لكن الصورة بدأت تتغير منذ عام 2016، عندما انطلقت تحقيقات أثرية قادها المجتمع المحلي في المنطقة المحيطة بكنيسة الرعية الحالية وأطلال كاتدرائية ليسمور، وهي المنطقة التي طالما اعتبرها الباحثون الموقع الأكثر احتمالاً للمستوطنة الرهبانية المبكرة. ومع توالي أعمال الحفر والمسح الجيوفيزيائي، بدأت تظهر بقايا مبانٍ قديمة ومعالم قد تمثل حدوداً للمجمع، إلى جانب أحد أبرز الاكتشافات في الموقع، وهو مقبرة تعود إلى العصور الوسطى المبكرة.
ولقد كشفت إحدى مناطق المقبرة عن قبور متداخلة بكثافة تحت طبقات أحدث، ما يشير إلى استخدام موقع الدفن مراراً على امتداد فترة زمنية طويلة. وأظهر التأريخ بالكربون المشع أن أقدم قبر تم فحصه يعود إلى الفترة بين عامي 650 و780 م، بينما يعود قبر آخر إلى الفترة بين 900 و1040 م. كما عُثر في المناطق المجاورة على قبور لبالغين ومراهقين وأطفال رضع، كان بعضها مبطناً بالحجارة أو مغطى بألواح حجرية، إلى جانب شظايا من ألواح حجرية مزخرفة بالصلبان، وهي مكتشفات تعزز الطابع الديني للموقع.
إلا أن المقبرة لم تكن سوى جانب واحد من المشهد الذي بدأت الحفريات تكشفه شيئاً فشيئاً. ففي منطقة قريبة، ظهر مبنى حجري بيضاوي يبلغ قطره نحو ثمانية أمتار، بأرضية داخلية مرصوفة بألواح من الحجر الجيري، مع آثار توحي بأنه عُدّل وأعيد استخدامه بمرور الزمن. واللافت، أن الرواسب المرتبطة به تعود في معظمها إلى الفترة بين القرنين الثامن والعاشر، بينما ترجع طبقات النشاط الحرفي المجاورة إلى الفترة الممتدة من القرن السابع إلى القرن التاسع، ما يشير إلى وجود منطقة إنتاج متخصصة ارتبطت بهذا الجزء من الموقع.
وكان حجم النشاط الحرفي لافتاً أيضاً. فقد عُثر في منطقة الورشة على أكثر من ألف قطعة من مخلفات تشغيل المعادن غير الحديدية، بينها البواتق والقوالب والبقايا الناتجة عن عمليات التصنيع. حيث تشير القوالب إلى وجود إنتاج للمشابك الحلقية المفتوحة، وهي نوع معروف من الحلي في تلك الفترة، وربما قطع معدنية أخرى، بينما أظهرت التحاليل أن سبائك النحاس كانت المادة الأكثر استخداماً. كما كشفت بعض البواتق عن نسب مرتفعة من الفضة والذهب، ما يقدم دليلاً نادراً على صب المعادن النفيسة في ليسمور.
وتكشف المواد الأخرى المكتشفة عن مستوى متقدم من المهارة الحرفية. فقد ضمت مجموعة من المشغولات العظمية وقرون الحيوانات قطعاً صغيرة منحوتة بدقة وتحمل زخارف نموذجية ذات تصاميم متشابكة، ربما استُخدمت لتجريب التصاميم أو لإعداد نماذج لزخارف معدنية أكثر تعقيداً. وقد ساعدت الرواسب المشبعة بالمياه في الحفاظ على مواد نادراً ما تبقى في مواقع مماثلة، ومن بينها خشب الطقسوس المشغول المرتبط بأوعية مبنية من الألواح الخشبية (stave-built vessels) وربما صندوق، إلى جانب أدوات استُخدمت للشحذ والصقل وتصنيع المشغولات الخشبية والعظمية والمعدنية.
وعند جمع هذه الأدلة معاً، تظهر ليسمور بوصفها أكثر من مجرد موقع ديني منعزل. فحجم النشاط الحرفي وجودته يضعانها بين المراكز الدينية والنخبوية المهمة في بريطانيا وأيرلندا خلال العصور الوسطى المبكرة، كما أن مجموعة قوالب وبواتق المعادن غير الحديدية المكتشفة فيها تعد من أكبر المجموعات المعروفة في اسكتلندا بعد موقع دوناد (Dunadd). أما بعض القطع المنحوتة الدقيقة، فلا توجد لها حتى الآن أمثلة مماثلة معروفة في مناطق أخرى من البلاد، ما يعكس مستوى فنياً وحرفياً مرتفعاً داخل الموقع.
وتدفع هذه النتائج أيضاً إلى إعادة النظر في مكانة ليسمور داخل مملكة دال رياتا. فقد تمتعت الجزيرة بأراضٍ خصبة، وموارد بحرية ومياه عذبة، إضافة إلى موقع قريب من الطرق الرئيسية التي تصل مناطق غرب اسكتلندا ببعضها، وهي عوامل كان من شأنها أن تمنحها أهمية اقتصادية واستراتيجية واضحة. وفي ضوء هذه المعطيات، ربما كان دور ليسمور في الشبكات المسيحية المبكرة أكبر مما توحي به المصادر المكتوبة الباقية، والتي ركزت بدرجة أكبر على مراكز أكثر شهرة، وفي مقدمتها جزيرة أيونا (Iona).
ولا تزال بعض الأسئلة مطروحة للنقاش. فالحفريات لم تكشف حتى الآن عن دليل أثري مباشر يعود إلى لحظة تأسيس الدير في القرن السادس، كما لم يُحدد بعد المسار الكامل للحدود التي كانت تحيط بالمجمع الرهباني. ومع ذلك، فإن المقبرة والمباني والمنحوتات وورش الصناعات المتخصصة تقدم اليوم أدلة قوية على وجود مجتمع رهباني مزدهر في ليسمور منذ القرن السابع على الأقل، وتمنح الجزيرة مكانة أكثر وضوحاً في المشهد الديني والسياسي لاسكتلندا خلال العصور الوسطى المبكرة.
تاريخ النشر: 04-10-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Antiquity