- الأخبار الأثرية
-
المنتدى الروماني في زادار، ويعكس الإرث الروماني العريق والمشهد الحضري التاريخي للمدينة.
حقوق الصورة:
Palauenc05, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons
ملامح زراعية قديمة ما تزال تشكّل مدينة زادار الحديثة
تكشف دراسة أثرية وتاريخية جديدة لمدينة زادار في كرواتيا أن ماضيها الزراعي لم يختفِ رغم التوسع العمراني السريع، بل ما تزال آثاره حاضرة في شكل المدينة الحديثة، وفي طرقها وحدائقها ومساحاتها الخضراء وحتى في بعض أنماط تقسيم الأراضي.
ويصف الباحثون هذه البقايا بأنها تراث أخضر، أي عناصر من المشهد الزراعي التاريخي استمرت في التأثير في هوية المدينة وتنظيمها المكاني حتى اليوم. وفي زادار، يشمل هذا التراث تقسيمات الأراضي الرومانية القديمة، والحقول والجدران الحجرية الجافة، وبساتين الزيتون والحدائق المنزلية، إضافة إلى شوارع حديثة ما تزال تتبع مسارات زراعية أقدم بكثير.
وتُعد زادار مدينة ذات تاريخ يمتد لنحو ثلاثة آلاف عام على ساحل البحر الأدرياتيكي. ويعود أقدم استيطان معروف في شبه جزيرتها إلى العصر الحديدي الليبورني، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مستعمرة رومانية، ثم تواصل تطورها خلال العصور الوسطى والعصر الحديث المبكر. وطوال معظم هذا التاريخ، كانت المدينة محاطة بأراضٍ زراعية تضم كروم العنب وبساتين الزيتون وحقول الحبوب وأشجار الفاكهة.
لكن هذه الصورة تغيرت بصورة كبيرة في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما بدأت المناطق السكنية والتجارية والصناعية بالامتداد فوق أراضٍ ظلت زراعية لقرون، وربما آلاف السنين.
ومع ذلك، لم يختفِ المشهد القديم بالكامل. ولمعرفة ما بقي منه، جمع الباحثون بين الأدلة الأثرية والخرائط التاريخية والصور الجوية والصور الفضائية وخرائط الأراضي ومخططات المدينة الحديثة. وكانت المقارنة بين السجل العقاري النمساوي لعام 1826، وصور جوية التقطها سلاح الجو الملكي البريطاني عام 1944، والمشهد الحضري الحالي من أهم أدوات الدراسة. ومن خلال هذه المقارنات، حدد الفريق أربعة أشكال رئيسية للتراث الأخضر ما تزال واضحة في زادار.
أول هذه الأشكال هو تقسيم الأراضي الروماني، أو ما يُعرف بالـcenturiation، وهو نظام استخدمه الرومان لتنظيم الأراضي الزراعية ضمن شبكة من الوحدات المنتظمة. ولا تزال آثار هذه الشبكة ظاهرة حول زادار في صورة خطوط وحدود مستقيمة متباعدة بانتظام، يبلغ طول ضلع الوحدة الواحدة منها نحو 710 أمتار.
وتظهر هذه التقسيمات بوضوح في الصور الجوية الملتقطة عام 1944، حيث يمكن رؤية شبكة هندسية منتظمة تمتد عبر المشهد الزراعي إلى جانب عدد كبير من الجدران الحجرية القديمة.
وتشير بيانات الليدار الحديثة إلى أن هذه التقسيمات ربما كانت أوسع انتشاراً مما كان يُعتقد سابقاً، إذ امتدت على الأرجح من المناطق الواقعة شمال غرب زادار نحو الداخل، ثم جنوباً على طول الساحل، مع وجود أنماط مشابهة في بعض الجزر القريبة.
وتكمن أهمية هذه الشبكة في أنها لم تكن مجرد طريقة رومانية لتقسيم الملكية، بل إن استمرار استخدام بعض حدودها وطرقها عبر القرون ساعد على بقاء ملامح المشهد القديم حتى الوقت الحاضر.
ويظهر الشكل الثاني من التراث الأخضر في الحقول القديمة والجدران الحجرية الجافة. فالصور الجوية التاريخية تكشف عن شبكة واسعة من الحدود الحجرية التي كانت تقسم الأراضي الزراعية المحيطة بالمدينة. وقد تشكل كثير من هذه الجدران عندما كان المزارعون يزيلون الحجارة من التربة الصخرية لتهيئتها للزراعة، ثم يجمعونها في جدران أو أكوام على أطراف الحقول.
ولم تكن لهذه المنشآت وظيفة حدودية فقط، بل ساعدت أيضاً على إبطاء جريان مياه الأمطار وتثبيت التربة والحد من انجرافها.
ولا تزال بعض هذه الحقول قائمة اليوم في صورة مساحات خضراء متروكة بين الأحياء الحديثة، تتخللها بقايا جدران حجرية وأكوام من الصخور وشجيرات وأشجار صنوبر، وأحياناً أشجار زيتون أو تين.
لكن هذه المساحات أصبحت أكثر عرضة للاختفاء مع استمرار التوسع العمراني. حيث تشير الدراسة إلى أن عدداً منها تحول بالفعل خلال السنوات الأخيرة إلى مشروعات سكنية جديدة، في ظل الضغوط العمرانية المرتبطة جزئياً بازدهار قطاع السياحة.
ولا يقتصر أثر المشهد الزراعي القديم على الأراضي الخضراء الباقية، بل يظهر أيضاً في تخطيط المدينة الحديثة نفسها.
فعندما قارن الباحثون شبكة الشوارع الحالية بالتقسيمات الرومانية وحدود الأراضي الظاهرة في خريطة عام 1826، وجدوا أن عدداً كبيراً من الطرق الحديثة ما يزال يتبع خطوطاً أقدم. وتتوافق أجزاء من شبكة الشوارع الحالية مع حدود ما لا يقل عن 18 وحدة من التقسيم الروماني، في حين تحتفظ أحياء أخرى بمسارات كانت في الأصل طرقاً زراعية أو حدوداً بين الحقول.
وبهذا المعنى، فإن بعض الأراضي الزراعية التي اختفت اليوم تحت المباني والطرق لم تختفِ تماماً من المدينة، بل ما تزال تحدد بصورة غير مباشرة الطريقة التي تنتظم بها الأحياء ويتحرك بها السكان.
أما الشكل الرابع من التراث الأخضر، فهو الأكثر وضوحاً لأنه ما يزال حياً ومستخدماً حتى اليوم. فلا تزال بساتين الزيتون وكروم العنب والحدائق موجودة داخل زادار وفي أطرافها. حيث تحتل بعض بساتين الزيتون الحديثة المواقع نفسها تقريباً، وتتبع تنظيماً مكانياً مشابهاً لما يظهر في خرائط عام 1826، ما يشير إلى استمرارية في استخدام الأرض تمتد لما لا يقل عن قرنين. وتضيف الحدائق المنزلية طبقة أخرى إلى هذه الاستمرارية. فقد سجل الباحثون زراعة الحمضيات والعنب والزيتون والتين، إلى جانب الطماطم والكوسا والفلفل والفاصولياء والبقدونس وإكليل الجبل.
ومن اللافت أن العنب والزيتون والتين، وهي من أكثر النباتات حضوراً في هذه الحدائق، كانت موثقة في المشهد الزراعي للمنطقة منذ العصور الوسطى على الأقل.
وترى الدراسة أن هذه العناصر لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد بقايا زراعية، بل بوصفها جزءاً من التراث الثقافي للمدينة، تماماً مثل المباني التاريخية والآثار القديمة.
فإذا كانت الأسوار والكنائس والآثار الرومانية تعكس جانباً من تاريخ زادار، فإن الحقول القديمة والجدران الحجرية وبساتين الزيتون والحدائق تكشف جانباً آخر لا يقل أهمية، وهو العلاقة الطويلة بين المدينة والأرض التي دعمتها عبر القرون.
وقد يساعد الاعتراف بهذا التراث الأخضر على حماية ما تبقى من المساحات الزراعية التاريخية، وفي الوقت نفسه ربط الحفاظ على التراث بالتخطيط الحضري والاستدامة وتعزيز المساحات الخضراء.
وتشير الدراسة إلى أن أهمية زادار تتجاوز حدود المدينة نفسها، إذ يمكن أن تقدم نموذجاً لفهم مدن تاريخية أخرى في منطقة البحر المتوسط توسعت حديثاً فوق مشاهد زراعية قديمة.
ومن هذا المنظور، لا تبدو زادار الحديثة مدينة قطعت صلتها بماضيها الزراعي، بل مشهداً متعدد الطبقات ما تزال فيه الحدود الرومانية والطرق الزراعية والجدران الحجرية والبساتين والحدائق القديمة تترك بصمتها على المدينة بعد آلاف السنين.
تاريخ النشر: 29-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Antiquity