- الأخبار الأثرية
-
درنات اليام، أحد المحاصيل المهمة التي تتكاثر خضرياً في المناطق المدارية.
حقوق الصورة:
Kambai Akau, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons
المحاصيل المنسية في قصة الزراعة المبكرة
تدعو دراسة أثرية جديدة إلى إعادة النظر في الطريقة التقليدية التي يُروى بها تاريخ استئناس النباتات، معتبرة أن كثيراً من التصورات السابقة قدمت هذه العملية بوصفها مساراً خطياً ومبسّطاً، ركز على عدد محدود من المحاصيل الكبرى وأهمل التنوع الواسع للنباتات والمجتمعات التي تعاملت معها عبر العصور.
وتناقش الدراسة الكيفية التي يعيد بها علماء الآثار بناء بدايات الزراعة، مشيرة إلى أن استئناس النباتات يتم تصويره غالباً على أنه انتقال مباشر من النباتات البرية إلى المحاصيل التجارية المعروفة اليوم.
وقد أدى هذا التركيز إلى إعطاء أهمية أكبر للتغيرات الشكلية أو الوراثية التي يمكن تتبعها في بعض المحاصيل، بينما جرى تهميش الكثير من الأنواع البرية القريبة منها، وكذلك الأصناف المحلية، والأشكال النباتية التي تقع في منطقة وسطى بين البرية والزراعية.
وركزت الأبحاث تاريخياً على محاصيل مثل القمح والذرة والأرز، ليس فقط لأهميتها في الغذاء العالمي، بل أيضاً لأن بقاياها تحفظ جيداً نسبياً في المواقع الأثرية، ما يجعل عملية التعرف على بعض صفات تدجينها أسهل بكثير.
أما النباتات التي تتكاثر خضرياً في المناطق المدارية، مثل الجذور والدرنات والموز وقصب السكر، فمن الأصعب تتبع تاريخها أثرياً. وغالباً ما تتطلب دراستها الاعتماد على تقنيات مثل تحليل الفيتوليث وحبيبات النشاء والأنسجة النباتية، وهي وسائل لا تزال محدودة القدرة على التمييز بدقة بين الأشكال البرية والمستأنسة في كثير من الحالات.
ومع ذلك، لعبت هذه النباتات دوراً أساسياً في غذاء البشر. فقصب السكر والموز والبطاطا والكسافا والبطاطا الحلوة واليام هي من بين أهم المحاصيل في العالم اليوم، إلا أن تاريخها حظي باهتمام أثري أقل بكثير من الحبوب.
ويرى الباحثون أن هذا الاختلال قد يؤدي إلى صورة ناقصة عن بدايات الزراعة، لأنه يقلل من أهمية المناطق المدارية والمجتمعات التي طورت أساليب مختلفة لإدارة النباتات واستغلالها.
وبدلاً من النظر إلى عملية التدجين أو الاستئناس باعتبارها لحظة انتقل فيها النبات فجأة من «بري» إلى «مستأنس»، تقترح الدراسة فهمها بوصفها مرحلة ضمن علاقة طويلة ومعقدة بين الإنسان والنبات.
فقد تستغل المجتمعات النباتات وتحميها وتنقلها وتعيد زراعتها وتديرها تدريجياً على مدى آلاف، وربما عشرات آلاف السنين، قبل أن تظهر الصفات التي تُستخدم تقليدياً لتحديد التدجين. ولذلك قد تكون الحدود بين النبات البري والمستأنس أكثر مرونة مما توحي به التصنيفات المعتادة.
وتقدم نباتات اليام مثالاً واضحاً على ذلك. ففي بعض مناطق أفريقيا، يُمكن نقل اليام البري أو المتوحش إلى الأراضي المزروعة، حيث ينتقي المزارعون الخصائص المرغوبة. وفي أحيان أخرى قد تعود هذه النباتات إلى النمو خارج الحقول، لتصبح صعبة التمييز عن الأنواع البرية.
وينتج عن ذلك مشهد معقد من التنوع الوراثي والجغرافي بدلاً من مجرد مسار بسيط يبدأ بسلف بري واحد وينتهي بمحصول مستأنس واحد. كما يتعرض هذا التنوع حالياً للتراجع مع استبدال كثير من الأصناف المحلية القديمة بأصناف تجارية حديثة.
ويقدم قصب السكر مثالاً آخر على هذا التعقيد. حيث ترتبط أصول قصب السكر الحديث جزئياً بنبات (Saccharum Robustum) البري في منطقة غينيا الجديدة وما حولها، لكن تاريخه مر بمراحل متعددة من الاستغلال والنقل والانتقاء والزراعة والتهجين.
فقد استُخدم القصب البري في الغذاء والبناء والطب وتحديد الحدود، ثم نُقلت بعض أشكاله وهي لا تزال برية في مظهرها. ومع مرور الوقت ظهرت أنواع غنية بالسكر، وأخرى استُخدمت كخضروات، ثم أدت حركة النباتات نحو جنوب شرق آسيا إلى مزيد من عمليات التهجين مع أنواع أخرى من القصب.
ويرى الباحثون أن التركيز فقط على السلالة التي أدت في النهاية إلى قصب السكر التجاري يجعل هذه العملية تبدو أكثر بساطة وخطية مما كانت عليه في الواقع.
أما عند النظر من الماضي نحو الحاضر، فتظهر صورة أكثر تعقيداً، حيث يضم المشهد أنواعاً برية وأشكالاً برية جرى نقلها وزراعتها، وأيضاً أصنافاً محلية كانت موجودة في الوقت نفسه. وقد ساهم بعضها في إنتاج المحاصيل الحديثة، بينما ظل بعضها مهماً على المستوى المحلي أو اختفى بمرور الزمن.
وتدعو الدراسة في النهاية إلى تبني رواية أثرية أوسع تمنح اهتماماً أكبر لتنوع المحاصيل والمعرفة المحلية والعلاقات طويلة الأمد بين البشر والنباتات. ولا يساعد هذا المنظور فقط على فهم الزراعة القديمة بصورة أفضل، بل أيضاً على تقدير التنوع الزراعي الموجود اليوم. فاستعادة تاريخ المحاصيل والأصناف التي ظلت مهمشة قد تسهم في حماية المعارف النباتية شديدة الأهمية بالنسبة للأمن الغذائي، إلى جانب تحسين المحاصيل عموماً والحفاظ على التراث الثقافي.
تاريخ النشر: 16-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية