- الأخبار الأثرية
-
مدافن من الفترة المسيحية المبكرة في السويد تكشف عن روابط اجتماعية معقدة
تقدم دراسة جديدة للحمض النووي القديم فهماً أكثر عمقاً لكيفية التعامل مع الأطفال بعد وفاتهم وذلك خلال فترة الانتقال من أواخر عصر الفايكنغ إلى العصور الوسطى في السويد.
وتركز الدراسة على مواقع الدفن المسيحية المبكرة، حيث عادةً ما تغيب القرابين الجنائزية، ويصعب تحديد الجنس البيولوجي للأطفال من العظام وحدها. فهياكل الأطفال في تلك الأعمار لا يظهر عليها العديد من السمات المرتبطة بالجنس كما تظهر عند البالغين، ولذلك كثيراً ما كان الأطفال يُستبعدون من الدراسات المتعلقة بالجنس والدفن والتنظيم الاجتماعي.
ولتجاوز هذه المشكلة، قام الباحثون بتحليل بيانات جينومية من 142 فرداً من ثلاثة مواقع في السويد، هي فيالكينج، وسيجتونا، وفاسترهوس. حيث اشتملت العينة على 68 طفلاً دون سن البلوغ و74 شخصاً بالغاً من مدافن فردية وجماعية.
وقد استخدمت الدراسة طرق تحديد الجنس الجيني، وتحليل القرابة، وعدد من المقارنات الجينومية الأوسع نطاقاً للتحقق من كيفية دفن الأطفال، وما إذا كان الأشخاص المدفونون معاً أقارب بيولوجيين مقربين.
والجدير ذكره أنه في الفترة المسيحية المبكرة في إسكندنافيا ، أصبحت عادات الدفن أكثر انتظاماً مما كانت عليه في عصر الفايكنغ. فقد كانت القبور غالباً موجهة من الشرق إلى الغرب، ووضعت الجثث على ظهورها، كما غابت اللقى الجنائزية في معظم الحالات. وفي بعض ساحات الكنائس، كان الرجال والنساء يُفصلون من ناحية المكان، حيث يُدفن الرجال في جهة والنساء في جهة أخرى.
وتُظهر النتائج الجديدة أن الأطفال اتبعوا في كثير من الأحيان أنماطاً مكانية مشابهة. ففي فاسترهوس، دُفن الأولاد والبنات عموماً في المناطق نفسها التي دُفن فيها البالغون من الجنس البيولوجي نفسه. ويشير ذلك إلى أن قواعد الدفن حسب الجنس كانت تُطبق منذ سن مبكرة.
ومع ذلك، لم يكن هذا النمط صارماً تماماً. فقد دُفن عدد قليل من الفتيات في مناطق ترتبط عادة بالذكور، وأحياناً مع رجال بالغين أو أولاد. كما ظهرت المدافن المختلطة بين الجنسين بصورة أكبر في مناطق ذات أهمية رمزية أو في المناطق الانتقالية، مثل الأماكن القريبة من الهيكل المحيط بالمذبح، أو أسفل رواق الكنيسة.
وتتعلق إحدى أهم نتائج الدراسة بالمدافن الجماعية. فقد افترض علماء الآثار في كثير من الأحيان أن البالغين والأطفال المدفونين معاً كانوا من أقارب الدرجة الأولى، مثل الآباء والأبناء. لكن النتائج الجينية تشكك في هذا الافتراض.
ففي المدافن الجماعية التي احتفظت بكمية كافية من الحمض النووي، كان وجود قرابة بيولوجية وثيقة بين المدفونين في القبر نفسه أمراً نادراً. ففي فاسترهوس، احتوت نسبة صغيرة فقط من المدافن الجماعية على أقارب من الدرجة الأولى. أما في سيغتونا، كانت علاقات القرابة من الدرجتين الأولى والثانية نادرة أيضاً. وهذا يعني أن القبور المشتركة لم تكن تمثل مجموعات من "الأسر النواة" وهي الأسر البسيطة المكونة من أبوين وأطفالهما.
وبدلاً من ذلك، تقترح الدراسة أن المدافن الجماعية ربما تعكس أنواعاً أخرى من الروابط الاجتماعية. وقد تشمل هذه الروابط القرابة الممتدة، أو الانتماء إلى منزل واحد، أو روابط المجتمع المحلي، أو الانتماء الاجتماعي، أو أحد أشكال التدريب والرعاية، أو علاقات أخرى لا تظهر دائماً من خلال القرابة البيولوجية.
ففي فاسترهوس، أعاد الباحثون بناء العديد من العلاقات الأسرية الممتدة. حيث كان أفراد إحدى هذه المجموعات المهمة يُدفنون غالباً قرب الكنيسة، ما يشير إلى مكانة اجتماعية راسخة داخل المجتمع. كما دُفنت امرأة مرتبطة بهذه المجموعة مع صدفة محار، وهي غرض غير معتاد في المدافن المسيحية، وربما تمثل دليلاً على الحج إلى سانتياغو دي كومبوستيلا (شنت ياقب) في إسبانيا.
ويشير هذا المزيج من القرابة الجينية وموقع الدفن ووجود صدفة المحار إلى أن بعض الأفراد كانوا يتمتعون بمكانة خاصة، وأن التنقل، بما في ذلك السفر الديني لمسافات طويلة، كان جزءاً من حياة بعض أفراد المجتمع.
كما تُظهر الدراسة أيضاً أن القرابة كانت ذات أهمية على مستوى المقبرة ككل، حتى عندما لم يكن الأشخاص المدفونون معاً أقارب مقربين. فقد جمعت العديد من الأفراد صلات بيولوجية أبعد في جميع أنحاء المقبرة، مما يدل على أن العائلات الممتدة والشبكات المحلية ساهمت في تنظيم هذه المجتمعات عبر الأجيال.
وتُعقّد هذه النتائج فكرة أن الدفن في الفترة المسيحية المبكرة كان يُنظّم فقط وفقاً لروابط الأسرة النواة. بل يبدو أن مكان الدفن كان يعكس مزيجاً من الجنس والعمر والمكانة الاجتماعية والمعايير الدينية وهوية المجتمع والقرابة الممتدة.
ويشير الباحثون أيضاً إلى أن بعض الرضع والأجنة ربما خضعوا لقواعد دفن مختلفة. ففي السياقات المسيحية المبكرة، كان التعميد يؤثر على إمكانية دفن الفرد في أرض مُقدّسة. ولذلك، قد تعكس بعض المواضع غير المألوفة كيفية تعامل المجتمعات مع القواعد الدينية مع استمرار حرصها على رعاية موتاها.
وتوضح الدراسة ختاماً كيف يمكن للحمض النووي القديم أن يكشف جوانب عن الطفولة والانتماء الاجتماعي يصعب رصدها من خلال علم الآثار التقليدي وحده. حيث تبيّن أن الأطفال في السويد خلال الفترة المسيحية المبكرة لم يكونوا غائبين عن المشهد بعد الموت، ففي كثير من الحالات، تم التعامل معهم وفقاً للمبادئ نفسها المطبقة على البالغين فيما يخص الجنس البيولوجي، مع بقائهم جزءاً من شبكات أوسع من القرابة والمجتمع.
تاريخ النشر: 11-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Science Advances