- الأخبار الأثرية
-
التقنيات الرقمية تعيد تعريف مفاهيم حماية التراث الثقافي غير المادي
تستعرض مقالة بحثية جديدة الدور المتزايد للتقنيات الرقمية في عمليات صون وحماية التراث الثقافي غير المادي، وذلك بدءاً من التوثيق والتصنيف، ووصولاً إلى التعليم والترميم والابتكار الثقافي.
وقد راجعت المقالة 102 دراسة نُشرت بين عامي 2020 و2025، وركزت على الأساليب الرقمية المستخدمة في حماية أشكال متعددة من التراث الثقافي غير المادي، مثل التراث الشفهي وفنون الأداء، والطقوس والممارسات الاجتماعية، إلى جانب الحرف اليدوية التقليدية وأنظمة المعرفة. وتختلف هذه الأشكال من التراث عن المباني والمعالم واللقى الأثرية، لأنها تنتقل غالباً من خلال الأشخاص والممارسة والذاكرة والحياة المجتمعية.
وبحسب المقالة، لا تزال طرق الصون التقليدية تحتفظ بأهميتها، لأنها تحفظ السياق الإنساني والاجتماعي للتراث. فالنقل الشفهي والتوثيق اليدوي والملاحظة الميدانية والممارسة داخل المجتمع كلها تظل عناصر مهمة في استمرارية التراث. إلا أن هذه الطرق قد تواجه صعوبات عندما تكون المعارف التراثية مهددة بالاندثار، أو عندما يتقدم حاملو تلك المعارف في السن، أو عندما تكون هناك حاجة إلى مشاركة التوثيق مع جمهور أوسع.
وتوفر التقنيات الرقمية طرقاً جديدة للاستجابة لهذه التحديات. فالأدوات الرقمية التقليدية مثل التسجيل السمعي والبصري، والمسح ثلاثي الأبعاد، وأنظمة التقاط الحركة، وقواعد البيانات، ونظم المعلومات الجغرافية، والأرشيفات الافتراضية، والواقع الافتراضي، والواقع المعزز، يمكنها أن تساعد في توثيق الممارسات التراثية بدقة أكبر إلى جانب تيسير الوصول إليها من قبل الباحثين والمجتمعات والجمهور بشكل عام. حيث تُعدّ هذه الأدوات مفيدةً بشكل خاص لتسجيل الإيماءات وتفاصيل الحرف اليدوية، جنباً إلى جنب مع العروض والأزياء والأدوات وسائر الفضاءات الثقافية.
وتحدد المقالة خمس مراحل رئيسية في عملية الحماية الرقمية للتراث الثقافي غير المادي، وهي: جمع البيانات وتنظيمها وتوثيقها، ومن ثم تصنيفها والتعرّف عليها، بعد ذلك تأتي مراحل الترميم الرقمي والعرض والتعليم الرقميان والابتكار الثقافي. ولا تعني هذه المراحل أنها ثابتة أو تسير دائماً بترتيب واحد، لكنها تساعد في توضيح كيفية استخدام التقنيات المختلفة ضمن عملية الصون والحماية.
ويكتسب الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة في المراحل اللاحقة من هذه العملية. إذ يمكن للأساليب القائمة على الذكاء الاصطناعي أن تساعد في تصنيف الصور والصوت والنصوص وبيانات الحركة، والتعرف على الأنماط داخل المجموعات الرقمية الكبيرة، وترميم المواد البصرية أو النصية المتضررة، ودعم التعليم التفاعلي، وتوليد أفكار تصميمية جديدة مستوحاة من التراث التقليدي. وتشمل التقنيات المستخدمة في هذا المجال كل من التعلم الآلي والتعلم العميق، ومعالجة اللغة الطبيعية، ومخططات المعرفة، والنماذج التوليدية، والنماذج اللغوية الكبيرة.
وفي الوقت نفسه، تؤكد المقالة على ضرورة عدم اختزال الحماية الرقمية للتراث على اعتبار أنها مجرد كفاءة تقنية أو ابتكار بصري. فقيمة الأدوات الرقمية تعتمد على قدرتها على حفظ المعنى الثقافي ودعم انتقال التراث الحي، وذلك إلى جانب الحفاظ على الصلة بين التراث والمجتمعات. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يحسن السرعة والقدرة على معالجة البيانات والتفاعل، لكنه يظل معتمداً على جودة التوثيق الأصلي وعلى التفسير البشري الدقيق.
وتقترح المقالة نموذجاً مزدوج المسار للصون الرقمي. حيث إنه في هذا النموذج، تُوفّر الأساليب الرقمية التقليدية الأساس من خلال تسجيل التراث وحفظه مع مراعاة الأصالة والسياق، بينما تُضيف الأساليب القائمة على الذكاء الاصطناعي إمكانيات تحليلية وتفسيرية وإبداعية. وبذلك يمكن لهذين المسارين معاً أن يدعما الحفظ والتجديد في الوقت نفسه.
لاشك أن المقالة تُظهر بوضوح أن التقنيات الرقمية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من جهود حماية التراث الثقافي غير المادي. لكنها تؤكد أيضاً على ضرورة أن تخدم التكنولوجيا المجتمعات الحاملة للتراث لا أن تحل محلها. ولذلك، فإن مستقبل الصون الرقمي سيعتمد على تحقيق التوازن بين كل من الابتكار والاستمرارية الثقافية، والتطور التقني والمسؤولية الأخلاقية، والوصول الرقمي والممارسات الحية التي تعطي التراث غير المادي معناه الحقيقي.
تاريخ النشر: 28-06-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: npj Heritage Science