- الأخبار الأثرية
-
الحبوب كبيرة الحجم لم تكن بالضرورة دليلاً على بداية الزراعة
تشير أبحاث أثرية جديدة أجريت في جنوب الأردن إلى أن الحبوب الأكبر حجماً ظهرت قبل عملية التدجين الكامل للمحاصيل، كما أن ذلك لم يكن بالضرورة نتيجة حراثة الحقول أو فلاحتها بشكل منظم، بل قد يكون ناتجاً عن استجابة النباتات البرية للاختلافات في توافر المياه.
وقد حللت الدراسة بقايا متفحمة من الشعير والقمح عُثر عليها في موقعي شرارة والحمّة بوادي الحسا. حيث تمثل هذه المواقع مراحل من عصر الهولوسين المبكر تمتد من العصر الحجري الحديث قبل الفخاري «أ»، الذي بدأ في الألفية العاشرة قبل الميلاد، وحتى العصر الحجري الحديث قبل الفخاري «ب».
وعادةً ما يتم تحديد تدجين الحبوب أو استئناسها من خلال سمات تميز المحاصيل المزروعة عن أسلافها البرية. ومن أبرزها زيادة حجم الحبوب وتحول السنابل إلى شكل غير قابل للتفتت الطبيعي عند النضج. كما أن الحبوب البرية تُطلق حبوبها الناضجة بشكل طبيعي، بينما تحتفظ الأنواع المدجنة بها إلى أن يقوم الإنسان بجمعها وحصادها.
ولأن الحبوب الكبيرة ظهرت في السجل الأثري قبل انتشار السنابل غير المتفتتة أو المتكسرة، فقد جادل الباحثون مراراً بأن الزراعة، وخاصة الحراثة المتكررة، ساهمت في انتقاء السلالات ذات الحجم الأكبر وراثياً. لكن الدراسة الجديدة تتحدى هذا التفسير.
فبعد أن جمع الباحثون بين قياس حبوب الشعير القديمة ودراسة أجزاء محاور السنابل، وتحليل نظائر الكربون المستقرة، وفحص الخصائص البيئية للأعشاب المصاحبة للمحاصيل. أظهرت أجزاء السنابل أن الشعير والقمح ثنائي الحبة من المراحل الاستيطانية الأولى في موقعي شرارة والحمّة كانا لا يزالان يحتفظان بخصائصهما الشكلية البرية، حيث استمرت سنابلهما في التكسر والتفتت بشكل طبيعي.
إلا أنه وبحلول المرحلة الاستيطانية اللاحقة في الحمّة، أظهر كلا النوعين من الحبوب خصائص عدم التكسر التي تميز السلالات المستأنسة.
لكن قياسات الحبوب قدمت صورة مختلفة. فقد احتوى الشعير البري المبكر في الحمّة على حبوب تقع ضمن الأحجام التي توصف عادة بأنها مستأنسة، بينما لم يختلف متوسط حجم السلالات المستأنسة اللاحقة اختلافاً كبيراً. وهذا يعني أن الحجم وحده لا يعد مؤشراً موثوقاً على ما إذا كان النبات مدجناً وراثياً.
واللافت، أن نظائر الكربون قدمت تفسيراً محتملاً. ففي المجموعة النباتية الواحدة، كانت الحبوب الأكبر حجماً تنمو عموماً في ظروف أكثر رطوبة، بينما ارتبطت الحبوب الأصغر بظروف نقص المياه. وتُعرف هذه الظاهرة بالمرونة التطورية، أي قدرة النباتات ذات الخلفية الوراثية نفسها على تطوير خصائص بنيوية مختلفة استجابةً للظروف البيئية المحيطة.
كما لم تُقدّم بقايا الأعشاب الضارة أي دليل على أن الحبوب المبكرة نمت في حقول خضعت لحراثة سنوية منتظمة. بل على العكس، تشابهت النباتات المرتبطة بها مع تلك الموجودة في بيئات الحبوب البرية ذات التربة غير المضطربة نسبياً.
لذلك تقترح الدراسة أن زيادة حجم الحبوب في المراحل المبكرة من إدارة النباتات لم تكن تكيفاً وراثياً ناتجاً عن دفن البذور على أعماق أكبر بسبب الحراثة، بل كانت، على الأقل جزئياً، استجابة مؤقتة لظروف نمو أفضل.
ومع ذلك، ربما تكون المجتمعات المبكرة قد أدارت حقول الحبوب بشكل نشط. حيث شملت الممارسات المحتملة حماية النباتات من الحيوانات الرعوية، وإعادة زراعة الحبوب المحصودة بشكل دوري، واختيار الحقول في مواقع أكثر رطوبة. مع ذلك، لا تدعم الأدلة والتحليلات فرضية وجود الري الاصطناعي المكثف.
ويقترح الباحثون تسلسلاً جديداً لتدجين الحبوب. فقد سمحت ظروف النمو المواتية أولاً لبعض النباتات البرية بإنتاج حبوب أكبر حجماً بفضل المرونة التطورية، وربما شجعت هذه الصفات المرغوبة على تعزيز علاقة الإنسان بالحبوب.
وبعد ذلك، ساهمت عمليات الحصاد وإعادة بذر الحبوب المستمرة في تفضيل النباتات ذات السنابل غير المتفتتة، وهي صفة وراثية تحتاج إلى تدخل بشري طويل الأمد. أو ربما جاء الانتقاء الوراثي للحبوب الأكبر لاحقاً، بعد أن ضعف انتشار البذور الطبيعية.
ولا تنفي الدراسة أهمية التطور الوراثي، لكنها توضح أن التغيرات الشكلية الناتجة عن البيئة ربما هيأت الظروف التي حدث فيها الانتقاء الجيني والوراثي فيما بعد.
وتتحدى النتائج الفرضية التي تعتمد على حجم الحبوب الكبير كدليل تلقائي على الزراعة المبكرة، بل تُظهر أن التدجين كان عملية تدريجية تشكلت من خلال عددة عوامل، يأتي في مقدمتها التفاعل مع البيئة ومرونة النباتات والإدارة البشرية.
تاريخ النشر: 05-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: PNAS