- الأخبار الأثرية
-
المرتفعات المحيطة بموقع أوكس بينكا في جنوب بليز، حيث توثق الأدلة الأثرية توسع الزراعة المبكرة لدى المايا نحو الأراضي الأكثر ارتفاعاً.
حقوق الصورة:
Elelicht, CC BY-SA 3.0, via Wikimedia Commons
من الأراضي الرطبة إلى المرتفعات: كيف أعاد مزارعو المايا تشكيل المشهد الزراعي
تكشف أدلة أثرية وبيئية جديدة من جنوب بليز أن المزارعين الأوائل في أراضي المايا المنخفضة بدأوا نقل جزء متزايد من نشاطهم الزراعي من أطراف الأراضي الرطبة ونحو المنحدرات المرتفعة في وقت أبكر مما كان يُعتقد سابقاً. حيث إنه ومن خلال الجمع بين دراسة كيمياء التربة وحبوب اللقاح والفحم والتربة المدفونة والتأريخ بالكربون المشع، تمكن الباحثون من تتبع مرحلة انتقالية طويلة تحولت فيها الذرة من محصول ثانوي نسبياً يُزرع بالقرب من مصادر المياه المتوافرة، إلى محصول أساسي متزايد الأهمية يُزرع في الأراضي المرتفعة الأكثر اعتماداً على الأمطار. لقد ارتبطت أقدم أنماط الزراعة في المنطقة ارتباطاً وثيقاً بالأراضي الرطبة، فالتربة الخصبة المتواجدة على أطراف الأنهار والمستنقعات والمنخفضات الموسمية الرطبة وفرت كميات وفيرة ومضمونة من المياه، ما خفف المخاطر التي واجهتها المجتمعات الزراعية الصغيرة. لا سيما أن الأدلة من حوض نهر ريو بلانكو (Rio Blanco) تشير إلى أن الزراعة قرب هذه البيئات كانت قائمة منذ نحو 6400 عام. يضاف إلى ذلك أن نسب نظائر الكربون المحفوظة في التربة القديمة تشير بدورها إلى حدوث مساهمة متزايدة لنباتات C4، وهي المجموعة النباتية التي تنتمي إليها الذرة، بينما تشير الكميات من رواسب الفحم إلى توسع عمليات إزالة الغطاء النباتي لتلك الأراضي في تلك الفترة.
واللافت، أن الصورة بدأت تتغير بعد نحو 5000 عام، عندما دخلت المنطقة في فترة مناخية طويلة أكثر جفافاً. وبدلاً من التخلي عن الزراعة، يبدو أن المجتمعات أعادت تنظيم أماكن الزراعة وطرق إدارتها. إذ اكتسبت الذرة أهمية متزايدة في النظم الغذائية، وربما وفرت الأصناف المحسّنة التي انتشرت عبر الأراضي المنخفضة عرانيس أو أكواز أكبر وصفوف أكثر من الحبوب، إلى جانب تمتعها بمقاومة أفضل لبعض الضغوط البيئية، وهي أمور ساعدت على التوسع في زراعتها. وهكذا ومنذ نحو 4000 عام مضت، أصبحت الذرة غذاءً أساسياً لدى بعض السكان.
ولتتبع هذا التحول، قام الباحثون بمقارنة الأدلة من ثلاث مناطق بيئية داخل حوض ريو بلانكو. ففي موقع يقع ضمن السهل الفيضي، احتفظت التربة المدفونة ببصمات كيميائية تشير إلى استمرار زراعة نباتات C4 وإلى مراحل متكررة من إزالة الغطاء النباتي. وفي مستنقعات أغوا كاليينتي (Agua Caliente)، احتوت إحدى العينات الرسوبية على حبوب لقاح الذرة ونباتات ترتبط باضطراب التربة وكميات كبيرة من الفحم، ما يدل على استمرار استغلال أطراف الأراضي الرطبة بكثافة. أما المجموعة الثالثة من الأدلة فجاءت من تربة زراعية من منطقة مرتفعة قرب مركز أوكس بينكا (Uxbenká) والذي أصبح لاحقاً أحد المراكز المهمة للمايا.
وتكتسب أدلة موقع أوكس بينكا أهمية خاصة. فقد عُثر هناك على تربة مدفونة يعود تاريخها إلى نحو 3500 و2900 و2500 عام، وهي تحمل قيماً مرتفعة لنظائر الكربون تتوافق مع وجود نباتات C4. وتقع أقدم هذه الطبقات فوق تربة أقدم منها، مما يشير إلى أن الزراعة في المرتفعات ربما بدأت بعد فترة وجيزة من مرور 4000 عام. ويرى الباحثون أن هذه الآثار الزراعية تسبق تطور موقع أوكس بينكا لاحقاً كمركز سياسي إقليمي، ما يدل على أن النشاط الزراعي كان يعيد تشكيل التلال قبل أن تصبح المنطقة مركزاً للاستيطان الكثيف.
ووفقاً للباحثين، لم يكن هذا التحول من الأراضي الرطبة إلى المرتفعات مفاجئاً، بل كان تدريجياً. إذ تداخلت الزراعة في الأراضي الرطبة مع الزراعة في المرتفعات لنحو 1800 عام. وخلال هذه الفترة، واصل المزارعون استغلال هوامش وأطراف الأراضي الرطبة الخصبة، بينما جربوا في الوقت نفسه الزراعة المعتمدة على مياه الأمطار في المناطق المرتفعة. وقد تطلب ذلك اكتساب معارف جديدة حول مواعيد الزراعة، ورطوبة التربة، ومخاطر الانجراف، فضلاً عن بذل المزيد من الجهد البشري.
لكن بحلول الفترة ما بين نحو 2500 و2200 عام مضت، أصبح التحول أكثر وضوحاً. فقد انخفضت مؤشرات زراعة نباتات C4 بسرعة في السهل الفيضي لريو بلانكو، كما تراجعت حبوب اللقاح والفحم في أغوا كاليينتي. وفي الوقت نفسه، أصبحت المستوطنات والزراعة في المرتفعات أكثر ثباتاً. ويربط الباحثون هذا التغيير بمجموعة من العوامل تشمل النمو السكاني، وتقلبات المناخ، وتراكم المعرفة الزراعية، بدلاً من عزوه إلى حدث بيئي واحد.
ومع الانتقال إلى المنحدرات ظهرت تحديات جديدة. فقد أدت إزالة الغطاء النباتي إلى زيادة التعرية وانجراف التربة، كما أدى الابتعاد عن المياه الدائمة إلى تزايد اعتماد الزراعة على انتظام الأمطار الموسمية. ومع مرور الوقت، واجه المزارعون هذه المشكلات عبر إدارة المشهد الزراعي، بما في ذلك تثبيت المنحدرات، ثم استخدام المصاطب والجدران والقنوات والخزانات في فترات لاحقة للمحافظة على التربة والمياه.
وتقدم النتائج بذلك صورة لظهور الزراعة في المرتفعات لدى المايا بوصفها عملية تكيف امتدت قروناً. فلم يتخل المزارعون ببساطة عن الأراضي الرطبة عند تغير الظروف، بل نوّعوا أماكن الزراعة، واختبروا استراتيجيات جديدة، ثم زاد استثمارهم تدريجياً في المرتفعات مع ازدياد أهمية الذرة في النظام الغذائي.
وقد ساهم هذا التحول الطويل في تأسيس ممارسات زراعية دعمت لاحقاً مجتمعات المايا الأكبر والأكثر كثافة سكانية. كما يوضح أن قرارات اتخذت قديماً تتعلق بالمحاصيل والمياه والعمل وإدارة المخاطر يمكن أن تبقى محفوظة في السجل الأثري، ليس فقط في المواقع واللقى، بل أيضاً داخل التربة وحبوب اللقاح والبصمات الكيميائية المجهرية.
تاريخ النشر: 24-09-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية