- الأخبار الأثرية
-
منطقة دو فو نونغ التاريخية في مدينة جينغدتشن بالصين، حيث ما تزال بعض ملامح النسيج العمراني والعمارة التقليدية للمدينة محفوظة.
حقوق الصورة:
EditQ, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons
الواقع الافتراضي يعيد بناء مدينة الخزف التاريخية في جينغدتشن
يسعى مشروع ضخم للواقع الافتراضي في الصين إلى تحقيق هدف يتجاوز مجرد إعادة بناء مبنى تاريخي مفقود، إذ يسعى إلى إحياء شوارع مدينة جينغدتشن القديمة وورشها وأفرانها وشبكات تجارتها ومظاهر الحياة اليومية فيها، مع محاولة التمييز بوضوح بين ما يمكن إثباته أثرياً وما يحتاج إلى استنتاج علمي مدروس.
وتقع مدينة جينغدتشن في مقاطعة جيانغشي، حيث ارتبط تاريخها بصناعة الخزف لأكثر من ألف عام. وخلال عصور يوان ومينغ وتشينغ، أصبحت المدينة واحدة من أهم مراكز إنتاج الخزف في العالم، ومنها انتشرت العديد من التقنيات والمنتجات التي تركت أثراً واسعاً خارج الصين. ومع ذلك، فقد اختفى جزء كبير من المشهد الصناعي التاريخي للمدينة عبر قرون من إعادة البناء، تاركاً وراءه الآثار والوثائق والمعالم المعمارية المتبقية ومجموعات المتاحف التي مازالت، لحسن الحظ، تحفظ جوانب مختلفة من تاريخ المدينة.
لقد تم تطوير مشروع الواقع الافتراضي في إطار الأعمال المرتبطة بترشيح جينغدتشن لقائمة التراث العالمي. ولم يكن الهدف إعادة تشكيل المباني الباقية وحدها، بل بخلق ناء بيئة تاريخية متكاملة تشمل تخطيط المدينة وصناعة الخزف والتجارة والطقوس والحياة الاجتماعية التي منحت المكان هويته. وجاء المشروع بعد مرحلة بحثية امتدت خلال عامي 2024 و2025، قبل إطلاق التجربة للجمهور في أكتوبر (تشرين الأول).
لكن إعادة إنشاء مدينة كاملة طرح تحدياً مختلفاً تماماً عن مجرد ترميم مبنى واحد. فالمنطقة التراثية الأساسية تمتد على أكثر من 200 هكتار، وهي تضم شوارع ومساكن ومبانٍ عامة وورشاً وأفراناً، بينما تتوزع شواهدها التاريخية على ما يقرب من ألف عام. ولهذا لم يكن من الممكن إعادة بناء كل شيء بدرجة الثقة أو اليقين نفسها. ومن هنا، فقد اعتمد المشروع مساراً من أربع مراحل يبدأ بجمع الأدلة وتقييمها، ثم إعداد سيناريو مكاني للتجربة، فإعادة البناء ثلاثي الأبعاد، وأخيراً إنتاج العناصر التفاعلية داخل البيئة الافتراضية.
وكان التمييز بين الأدلة التي يُمكن التحقق منها مباشرةً والأدلة التي تتطلب تفسيراً جزءاً أساسياً من هذه المنهجية. فقد احتلت البقايا الأثرية والمباني القائمة والقياسات الميدانية والتضاريس وغيرها من الشواهد المادية المرتبة الأعلى من حيث الموثوقية. حيث قامت فرق المشروع بتوثيق المناطق الرئيسية باستخدام المسح ثلاثي الأبعاد والتصوير عالي الدقة بالطائرات المسيّرة والتسجيل التفصيلي للمباني والقطع الأثرية.
أما الأماكن التي اختفت فيها الشواهد المادية، فاعتمدت إعادة بنائها على تقارير الحفريات والخرائط التاريخية والصور القديمة والنصوص المكتوبة وذكريات السكان والمقارنة مع أنماط العمارة التقليدية في المنطقة. ولم يتعامل الباحثون مع هذه المصادر جميعها بالدرجة نفسها من اليقين، بل استخدموها لتحديد مستوى التفاصيل الممكن إعادة بنائها، فما كان موثقاً جيداً أمكن تمثيله بدقة أكبر، بينما أعيد تصور الأبنية المفقودة بحذر استناداً إلى الأنماط المعمارية والمقارنات الإقليمية.
ثم انتقل العمل من المدينة إلى تفاصيلها. فأعيد أولاً تشكيل شبكة الشوارع والممرات النهرية، ثم دُرست أنماط المباني وتنظيم القطع العمرانية، قبل إضافة المناظر الطبيعية والأثاث والأدوات والشخصيات والأنشطة اليومية. والغاية هنا لم تكن إنتاج مدينة جميلة بصرياً فقط، بل إظهار الطريقة الحقيقية التي كانت تعمل بها مدينة جينغدتشن على اعتبار أنها مدينة صناعية ارتبط نموها بإنتاج الخزف، بحيث يستطيع الزائر التجول بين مناطق الورش والأفران، ومتابعة مراحل صناعة الخزف وحركته التجارية، ومشاهدة المشاهد المرتبطة بالعمل والطقوس والحياة الاجتماعية. كما تجمع التجربة بين المشاهدة من مستوى الشارع وبين المناظر الجوية، وذلك بهدف توضيح العلاقة بين كل من الأحياء والممرات المائية ومناطق الإنتاج ومجمع الأفران الإمبراطورية.
وفرضت التقنية حدودها أيضاً. فأجهزة ونظارات الواقع الافتراضي المستقلة لا تستطيع عرض كل سطح وتفصيل معماري بالدقة القصوى داخل بيئة افتراضية بحجم مدينة كاملة، لذلك، ركز المطورون قوة الحوسبة على العناصر التي يراها الزوار عن قرب، مع تبسيط المباني والأسطح البعيدة. وهكذا أصبح توزيع التفاصيل جزءاً من منهج العرض نفسه، وليس مجرد تنازل أو حل وسط من الناحية التقنية.
وتعمل التجربة حالياً داخل مساحة تبلغ نحو 300 متر مربع وتضم 40 جهازاً مستقلاً للواقع الافتراضي، مع قدرة على استقبال نحو 100 مستخدم في الوقت نفسه. وقد جاءت التقييمات المهنية وردود فعل الجمهور الأولية إيجابية، إلا أن الدراسة تؤكد أن قياس الفاعلية التعليمية بصورة دقيقة يحتاج إلى اختبارات أكثر تنظيماً على المستخدمين.
ويبقى أحد أبرز التحديات هو توضيح الفرق للزائر بين ما يستند إلى أدلة أثرية قوية وبين ما أعيد بناؤه اعتماداً على التفسير والمقارنة. ولتقليل احتمال الخلط بينهما، وضع المشروع العناصر الأكثر توثيقاً في المناطق القريبة من الزائر، حيث يمكن رؤيتها بوضوح، بينما ظهرت المباني التي تعتمد بدرجة أكبر على الافتراض في أجزاء أبعد من المشهد. ومع ذلك، جرى تقليل العلامات والتنبيهات التي تشير صراحة إلى درجة الموثوقية في النسخة النهائية من التجربة، حتى لا تؤثر في إحساس الزائر واندماجه في التجربة. وترى الدراسة أن تحقيق توازن أفضل بين الشفافية والمحافظة على تجربة واقع افتراضي سلسة يظل من أهم التحديات المستقبلية. ولهذا لا يدعي المشروع أنه أعاد مدينة جينغدتشن تماماً كما كانت في الماضي، بل يقدم طريقة منظمة لجمع الآثار والعمارة والوثائق والذاكرة التاريخية داخل مشهد افتراضي واحد، مع منح كل عنصر درجة من الثقة تتناسب مع الأدلة التي تقف وراءه.
تاريخ النشر: 14-10-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: npj Heritage Science