- الأخبار الأثرية
-
المدفن B.554 في سقارة الغربية، ويظهر فيه الرفات البشرية محفوظة داخل تابوت من القصب في حجرة دفن منحوتة في الصخر.
حقوق الصورة:
Kozieradzka-Ogunmakin & Woźniak, Frontiers in Environmental Archaeology (2026)
أمطار تحت رمال سقارة: أقمشة جنائزية تكشف أسرار حفظ الموتى
تكشف دراسة أثرية جديدة حول مدافن تعود إلى أواخر عصر الدولة القديمة في منطقة سقارة الغربية بمصر أن بقاء الأقمشة الكتانية القديمة لم يعتمد فقط على مناخ المنطقة الجاف، بل أيضاً على البيئة الدقيقة التي تشكلت داخل كل مقبرة. حيث قارن الباحثون البقايا البشرية ومواد التوابيت وهندسة المقابر والرواسب والأقمشة المحفوظة، ليتبين لهم أن الفروق الطفيفة في تسرب المياه وتصريفها كان يمكنها أن تحدد فيما إذا كان الكتان سيصمد لأكثر من أربعة آلاف عام أو يتحلل تقريباً بالكامل.
وركزت الدراسة على خمس مدافن تعود إلى أواخر الدولة القديمة وبدايات عصر الانتقال الأول، بين نحو 2498 و2160 ق.م. وتنتمي هذه المدافن إلى الجبانة السفلى في سقارة الغربية، الواقعة مباشرة إلى الغرب من هرم زوسر المدرج. حيث كان الموتى هناك يوضعون عادة في حجرات دفن منحوتة في الصخر تحت الأرض، يتم الوصول إليها عبر آبار رأسية، ثم يوضعون داخل توابيت مصنوعة من القصب أو الخشب، بينما كان الكتان يُستخدم في صناعة الملابس ولف الجسد وفي التجهيزات الجنائزية الأخرى.
وعلى الرغم من تقارب المدافن من الناحية الزمنية وتشابه الكثير من ممارسات الدفن، فقد تفاوتت حالة الأقمشة بصورة كبيرة. ففي ثلاثة من المدافن بقيت أجزاء كبيرة من الكتان بحالة جيدة جداً، واحتفظ بعضها بقدر من المرونة وبعناصر يمكن التعرف عليها مثل الأكمام والحواشي والأطراف المزينة بالشراشيب. أما في مدفنين آخرين فلم يبق النسيج نفسه، بل بقيت فقط طبعات الأقمشة داخل طبقات من الطين الجاف في التوابيت، ما يثبت أن الكتان كان موجوداً في الأصل قبل أن تتحلل أليافه.
أما العظام فقد روت قصة مختلفة. فقد كانت بقايا الهياكل العظمية للأفراد الخمسة محفوظة بصورة جيدة إلى ممتازة، مع غياب شبه كامل للتشقق أو التقشر أو التجوية على أسطح العظام. وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة لأنها توضح أن الحفظ الجيد للعظام لا يعني بالضرورة أن جميع المواد العضوية مرت بالظروف نفسها. فالكتان، الذي تتكون أليافه أساساً من السليلوز، أكثر حساسية للرطوبة والنشاط الميكروبي من العظام المتكلسة، ولذلك يمكن أن يكون مؤشراً أدق على التغيرات التي طرأت داخل بيئة المقبرة.
ويرتبط تفسير هذه الفروق بالطبيعة الجيولوجية لمنطقة سقارة الغربية. فقد أُنشئت الجبانة على مصطبة من الحجر الجيري ذات انحدار طفيف، وتُظهر الأدلة الأثرية أيضاً أن بعض المقابر الموجودة تحت الأرض شهدت حالات لتسرب مياه الأمطار وتراكم الرواسب. وقد حدثت نوبات هطول الأمطار المحلية هذه خلال فترة أوسع اتسمت بتزايد الجفاف، وذلك حوالي عام 2200 قبل الميلاد. ويؤكد الباحثون أنه لا يوجد تعارض بالضرورة بين الظاهرتين، إذ يمكن لفترة تتسم بالجفاف العام أن تشهد في الوقت نفسه عواصف مطرية قوية ومتقطعة تولد جرياناً سطحياً يدخل إلى المنشآت تحت الأرض.
وعندما كانت المياه تصل إلى المقبرة، كان أثرها يعتمد على المكان الذي تتجمع فيه وعلى سرعة خروجها. وتشير الدراسة إلى أن تصميم المقبرة وضعف نفاذية الحجر الجيري والمواد المستخدمة في صنع التوابيت كلها عوامل ساهمت في تشكيل ظروف مختلفة داخل المقبرة. وربما سمحت التوابيت المصنوعة من القصب بتصريف المياه المتسربة بسرعة أكبر، بينما احتفظت التوابيت الخشبية بالرطوبة لفترات أطول. ويبقى هذا التفسير مبدئياً، لكنه يتوافق مع نمط الحفظ الذي تمت ملاحظته، إذ جاءت أفضل الأقمشة المحفوظة من المدافن التي استخدمت فيها توابيت من القصب، في حين لم يعثر الباحثون في المدافن التي استخدمت فيها توابيت خشبية سوى على طبعات (آثار) لتلك المنسوجات.
وتُعد هذه الطبعات مهمة لأنها تثبت وجود الأقمشة حتى عندما تكون أليافها قد تحللت بالكامل. ففي مدفن لأحد الأطفال، ترك النسيج الكتاني أثراً واضحاً في طبقة الطين التي جفت لاحقاً، بحيث بقي شكل النسيج محفوظاً رغم اختفاء القماش نفسه. وفي مدفن آخر، كشفت عدة طبعات في الرواسب عن وجود ثلاثة أو أربعة أنواع مختلفة من الأقمشة، بعضها دقيق النسج. وهذا يعني أن الملابس أو اللفائف الجنائزية كانت موجودة أصلاً داخل هذه المدافن، لكن الظروف البيئية أدت لاحقاً إلى تحللها، بينما بقيت آثارها مطبوعة في الطين.
وتشير النتائج أيضاً إلى أن سكان الموقع ربما حاولوا التعامل مع مشكلة المياه. فقد ظهرت في بعض المقابر اللاحقة تعديلات في الأجزاء تحت الأرض، من بينها خفض أرضية جزء من بئر الدفن لتسهيل تصريف مياه الأمطار والحد من تراكم الرواسب داخل الحجرة. وتوحي هذه التغييرات بأن البنائين أدركوا المشكلات التي تسببها المياه وحاولوا تعديل العمارة الجنائزية للحد من آثارها.
ومع ذلك، تبقى بعض الأسئلة المطروحة دون إجابة. فلم تكن نتائج التحاليل الكيميائية لعينات مختارة من الأقمشة متاحة عند نشر الدراسة، ولذلك لم يُحسم بعد وجود مواد تحنيط معينة، أو حتى الآليات الدقيقة لتحلل الألياف أو بعض أسباب تغير لون الكتان. ولهذا تتعامل الدراسة بحذر مع عدد من التفسيرات المطروحة.
وتوضح النتائج في النهاية أن الحفظ الاستثنائي الذي تشتهر به آثار مصر القديمة لم يكن متساوياً حتى داخل الجبانة نفسها. فقد أدت فروق بسيطة في موقع المقبرة وتصميمها ونوع التابوت ومدى تعرضها للمياه إلى تكوين بيئات دفن مختلفة، انعكست مباشرة على بقاء المواد العضوية. وهكذا يمكن للكتان القديم، حتى عندما لا يبقى منه سوى أثر مطبوع في الطين الجاف، أن يقدم معلومات لا تقتصر على الملابس والطقوس الجنائزية، بل تمتد أيضاً إلى الظروف البيئية المحلية والتحديات التي واجهها المصريون القدماء في حماية مدافنهم وموتاهم قبل أكثر من أربعة آلاف عام.
تاريخ النشر: 26-09-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية