- الأخبار الأثرية
-
البنية الداخلية لعاج الماموث والموضع المُعاد تصوره لتماثيل ميزين داخل الناب، مع إظهار خطوط أوين وشريغر التي أثرت في صناعتها وزخارفها.
حقوق الصورة:
Radchenko et al., npj Heritage Science (2026)
أنماط خفية في عاج الماموث ألهمت فناني العصر الجليدي في أوكرانيا
كشف تحليل رقمي ومجهري لـ18 تمثالاً صغيراً مصنوعاً من عاج الماموث، عُثر عليها في موقع ميزين (Mezine or Mizyn) والذي يعود إلى العصر الحجري القديم الأعلى شمالي أوكرانيا، أن فناني العصر الجليدي لم يكتفوا بحفر الزخارف على سطح العاج، بل استلهموا تصميماتهم من البنية الداخلية للمادة نفسها. فقد تكررت الأنماط الطبيعية الموجودة داخل أنياب الماموث في أشكال متعرجة ومتداخلة وخطوط هندسية أخرى، ما يشير إلى أن خصائص العاج البصرية كان لها دور مباشر في تشكيل العمل الفني.
وتعود هذه التماثيل إلى نحو 18,800–17,400 سنة مضت، أي إلى الفترة التي أعقبت ذروة العصر الجليدي الأخير، وهي تمثل أكبر مجموعة معروفة من الصور الأنثوية المنحوتة من العصر الحجري القديم في أوروبا الشرقية بعد تلك المرحلة. ويشتهر موقع ميزين أيضاً بوجود بترتيبات أو هياكل دائرية كبيرة من عظام الماموث يفسرها الباحثون على أنها بقايا مساكن، وذلك إلى جانب مجموعة من الأدوات والقطع المصنوعة من العظام والعاج والأصداف. ويعكس ذلك المكانة البارزة التي احتلها الماموث في الحياة المادية للمجتمعات التي عاشت في الموقع.
وقد اكتُشفت معظم التماثيل خلال حفريات أُجريت في أوائل القرن العشرين. حيث عُثر على أحد عشر تمثالاً في منطقة مرتبطة بهياكل مبنية من عظام الماموث، بينما جاءت سبعة أخرى من منطقة قريبة من بناء مماثل. كما أفادت سجلات الحفريات بأن ثلاثة منها وُجدت أسفل جمجمة ماموث أو ربما داخلها، وهو سياق قد يشير إلى إيداع مقصود له دلالة خاصة.
ولفهم كيفية صناعة هذه القطع، أنشأ الباحثون نماذج ثلاثية الأبعاد عالية الدقة، ثم قاموا بفحص الأسطح بالمجهر. وقد أتاح هذا النهج الرقمي رصد آثار التصنيع والنقوش الدقيقة للغاية دون الحاجة إلى التعامل المباشر والمكثف مع القطع الأصلية الهشة. كما جاء هذا العمل في إطار جهود الحفاظ الرقمي على التراث الأوكراني المهدد جراء الحرب الدائرة.
وأظهر التحليل أن التماثيل الثمانية عشر جميعها صُنعت من الأجزاء المركزية من عاج الماموث. وتتوافق محاورها الطولية مع الاتجاه الطولي للناب، بينما ساعدت البنى الداخلية المعروفة بخطوط شريغر (Schreger lines) وخطوط أوين (Owen’s lines) على تحديد موضع كل قطعة خام داخل العاج الأصلي. واستخدم الحرفيون القطع والطرق والتشظية بالضغط لاستخراج القطع الأولية، ثم جرى تشكيلها وكشطها وصقلها ومعالجتها بالاحتكاك للوصول إلى الشكل النهائي.
وبعد ذلك أضيفت النقوش باستخدام أدوات من الصوان. وأظهرت المقاطع العرضية للخطوط المحفورة أن التنفيذ تم بحركات نشر متكررة أو بعمليات قطع متتابعة في اتجاه واحد، ما أنتج أخاديد بأشكال مختلفة تشبه الحروف U وV وW. كما تشير اختلافات آثار القطع إلى حدوث تبديل بالأدوات أثناء العمل، وربما كان ذلك بسبب تآكل حوافها مع الاستخدام.
أما النتيجة الأكثر لفتاً للانتباه فتتعلق بالزخارف الهندسية. إذ تحمل إحدى عشرة قطعة أنماطاً تتضمن خطوطاً متوازية ومتعرجة وأشكالاً على هيئة حرف V وتكوينات متداخلة. ويشبه عدد كبير من هذه الزخارف بصورة واضحة نمط خطوط شريغر المتقاطعة طبيعياً داخل عاج الماموث. كما تتوافق نقوش أخرى مع خطوط أوين، وهي حلقات النمو متحدة المركز والموجودة داخل الناب. وفي حالات عديدة، وُضعت هذه الزخارف بدقة في المواضع التي كانت فيها الأنماط الداخلية الطبيعية أكثر وضوحاً.
ويعني ذلك أن الفنانين لم يتعاملوا مع العاج بوصفه مجرد سطح محايد تُضاف إليه الزخارف، بل استجابوا لخصائصه البصرية ودمجوها في التصميم النهائي. وفي بعض الحالات، كان يتم اللجوء إلى صقل السطح وكشطه من أجل جعل البنية الداخلية أكثر وضوحاً قبل إضافة الزخارف المعقدة، ما يعزز فكرة وجود تفاعل مقصود بين المادة والتصميم.
وتجمع تماثيل ميزين بين النحت ثلاثي الأبعاد والنقش ثنائي الأبعاد. فقد تم تشكيل الأجسام على هيئة أشكال ممدودة ومستديرة نسبياً، بينما حمل أحد الوجوه تمثيلاً بشرياً مبسطاً، في حين ظهرت الزخارف الهندسية غالباً على الجهة الخلفية. ويمنح هذا الجمع القطع طابعاً مميزاً مقارنة بالعديد من التماثيل الأخرى المعروفة من العصر الحجري القديم في أوروبا.
كما شمل التحليل مراجعة 650 تاريخاً بالكربون المشع لمواقع أوروبية تحتوي على تماثيل من العصر الحجري القديم الأعلى. وأظهرت المقارنة أن تماثيل ميزين تقع بين أقدم الأمثلة المعروفة للصور البشرية التجريدية بعد الذروة الجليدية الأخيرة، في حين انتشرت أنماط مشابهة في وسط أوروبا في فترات لاحقة. وتدعم هذه النتائج فكرة أن مجموعة ميزين تمثل تطوراً فنياً محلياً مميزاً، وليست مجرد نسخة شرقية من تقاليد ظهرت لاحقاً في مناطق أخرى من أوروبا.
وتكشف النتائج في مجملها عن علاقة وثيقة بين التقنية والمادة والتعبير الفني. فعاج الماموث في ميزين لم يكن مجرد خامة متاحة للنحت، بل إن بنيته وطريقة تشكيله وخصائصه البصرية ساهمت جميعها في تحديد شكل التماثيل وزخارفها، لتصبح المادة نفسها جزءاً من الفكرة الفنية التي أنتجها حرفيو العصر الحجري القديم.
تاريخ النشر: 14-09-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: npj Heritage Science