- الأخبار الأثرية
-
ملجأ غيم باس والمشهد الطبيعي المحيط به، مع مشاهد للوحة الرئيسية للفن الصخري ولوحة روزيتا
حقوق الصورة:
Santos da Rosa et al., African Archaeological Review (2026)
الأصوات الخفية للفنون الصخرية لدى شعب السان في جنوب أفريقيا
تشير دراسة جديدة في علم الآثار الصوتي إلى أن ملجأ غيم باس (Game Pass Shelter) الواقع في جنوب أفريقيا، كان قد وفر بيئة صوتية مناسبة ساعدت على وضوح الكلام والغناء والإيقاع وغيرها من الأنشطة الصوتية، على الرغم من افتقاره إلى الصدى القوي أو الترددات العالية.
ويُعد ملجأ غيم باس أحد أشهر مواقع الفن الصخري لدى شعب السان، المعروف تاريخياً باسم شعب البوشمن. يقع الملجأ في جبال مالوتي-دراكنزبرغ، وهو يضم عدداً كبيراً من الأشكال البشرية ورسوم حيوان العلند، وهو نوع من الظباء، إلى جانب ما يُعرف بـ«لوحة روزيتا - Rosetta Panel»، التي أدت دوراً مهماً في تفسير بعض الرموز والممارسات الطقوسية المرتبطة بالفنون الصخرية لشعب السان.
لقد ركزت دراسات سابقة كثيرة على الظواهر الصوتية اللافتة في مواقع الفن الصخري، مثل الصدى والرنين وتضخيم الصوت، وحاولت معرفة ما إذا كانت هذه الخصائص قد أثرت في اختيار الأماكن التي جرى الرسم أو النقش فيها. لكن الدراسة الجديدة تناولت المسألة من زاوية مختلفة. فبدلاً من البحث عن ظواهر صوتية استثنائية، حاول الباحثون تحديد أنواع الأنشطة التي كان الملجأ قادراً على دعمها من الناحية الصوتية.
ولهذا الغرض، سجل الفريق ما يُعرف بالاستجابة النبضية في عدة نقاط داخل ملجأ غيم باس، وهي تقنية تقيس كيفية انتقال الصوت من مصدره إلى المستمع، وكيف تعكسه الأسطح الصخرية المحيطة أو تؤثر فيه. وهكذا، وضع الباحثون مصادر صوتية بالقرب من اللوحة الرئيسية المرسومة ولوحة روزيتا، ثم سجلوا الاستجابات في عدة مواقع مخصصة للاستماع بهدف قياس زمن الصدى ووضوح الصوت وقابلية فهم الكلام وقوته. وأظهرت النتائج أن ملجأ غيم باس يتمتع ببيئة صوتية «جافة» نسبياً، أي أن الصوت يتلاشى بسرعة ولا يتردد على شكل صدى طويل المدة.
ورغم أن هذه الخاصية قد تبدو مسألة عادية للوهلة الأولى، إلا أنها تمنح المكان مزايا صوتية مهمة. فقد بقي الصوت واضحاً ومحدداً بدرجة عالية، في حين ساعدت الانعكاسات المبكرة عن الأسطح الصخرية على زيادة حضوره وقوته في بعض أجزاء الملجأ.
وبعبارة أخرى، لم يكن ملجأ غيم باس ينتج أصداء قوية، بل كان يعزز الصوت المباشر من دون أن يؤدي إلى تداخل الأصوات المتعاقبة أو التشويش عليها.
وبشكل عام، كانت هذه الظروف مناسبة بصورة خاصة للأنشطة التي تعتمد على الكلام أو الموسيقى أو الإيقاع. فالغناء ورواية القصص يحتاجان إلى بقاء الكلمات والجمل واضحة، بينما تتطلب الرقصات المصحوبة بالتصفيق أو الحركات الإيقاعية قدرة المشاركين على تمييز كل إيقاع على حدة. وهكذا، ربما وفر ملجأ غيم باس بيئة مناسبة لنشاطات الأداء الجماعي الذي يستطيع فيه المشاركون سماع بعضهم بوضوح، مع احتفاظ الصوت بحضور ملحوظ داخل الملجأ.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية إضافية لأن الممارسات الثقافية المعروفة لدى شعب السان اعتمدت على الصوت إلى جانب حواس أخرى. فقد كان الغناء والتصفيق والحركة الإيقاعية ورواية القصص والموسيقى عناصر مهمة في العديد من الأنشطة الاجتماعية وتلك المرتبطة بالطقوس.
كما يتجه الباحثون بصورة متزايدة إلى النظر إلى الرسوم الصخرية بوصفها جزءاً من تجربة متعددة الحواس، لا تعتمد على الرؤية وحدها، بل تشمل أيضاً اللمس والحركة والصوت والتفاعل الجسدي مع المكان. ففي ملجأ غيم باس، تشير القياسات إلى أن الأصوات الصادرة بالقرب من اللوحات المرسومة كانت تظل واضحةً بدلاً من أن تتلاشى وتتحول إلى صدى، كما أنها تزداد قوة في بعض المناطق التي ربما تفاعل فيها الناس مع الصور والرسومات.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تثبت أن طقوساً أو رقصات أو عروضاً محددة أُقيمت في الموقع. فالقياسات تكشف ما كانت البيئة الصوتية قادرة على دعمه وتقويته، لكنها لا تقدم دليلاً مباشراً على ما كان يحدث فعلاً داخل الملجأ.
كما تتحدى الدراسة الفكرة القائلة إن الأهمية الصوتية للمواقع الأثرية يجب أن ترتبط دائماً بأصداء قوية أو بظواهر صوتية استثنائية. فملجأ غيم باس يوضح أن المكان قد يمتلك أهمية سمعية بسبب قدرته على توفير ظروف مناسبة لأنواع معينة من النشاط البشري. وربما كان انخفاض الصدى ووضوح الصوت وازدياد قوته في نقاط محددة مسألة هامة جداً للأداء الجماعي تعادل أهميتها التأثيرات الصوتية الأخرى الأكثر وضوحاً.
وتدعو الدراسة بذلك إلى النظر إلى ملاجئ الفن الصخري ليس فقط بوصفها أماكن تُشاهد فيها الصور، بل كبيئات تفاعلت فيها الصورة والحركة والصوت والحواس المختلفة. وهي من خلال ذلك، تضيف بُعداً جديداً يساعد على فهم الكيفية التي تفاعلت من خلالها مجتمعات السان مع أحد أبرز مواقع الفن الصخري في جنوب أفريقيا.
تاريخ النشر: 20-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: African Archaeological Review