- الأخبار الأثرية
-
فخار وليلي يكشف عن صناعة متطورة للخزف خلال العصور الوسطى
كشفت دراسة أثرية علمية جديدة لفخار وليلي، وهي المدينة التي نشأت في موقع فولوبيليس الروماني بشمال المغرب خلال العصور الوسطى، عن صناعة خزفية محلية متطورة اعتمدت على عدة مصادر محلية للطين، مع اختيار تركيبات مختلفة بحسب وظيفة كل إناء.
وتقدم الدراسة أول تحليل علمي شامل لمجموعة مختارة من الأواني المصنوعة على الدولاب وتلك المصنوعة يدوياً وذاك في أوائل العصور الوسطى في المغرب. وقد حلل الباحثون 153 كسرة فخارية تعود أساساً إلى الفترة الممتدة من أواخر القرن السابع إلى أواخر القرن التاسع للميلاد، جامعين بين التحليل البتروغرافي والفحوص الكيميائية، إلى جانب دراسة عينات الطين التي جُمعت من محيط الموقع.
والمعروف، أن وليلي كانت مستوطنة مهمة خلال القرون التي أعقبت نهاية الحكم الروماني. وبحلول القرنين السابع والثامن أصبحت مركزاً زراعياً بارزاً، ثم ارتبطت في أواخر القرن الثامن ببدايات الدولة الإدريسية.
لقد كشفت الحفريات الحديثة في الموقع عن عدد من أفران صناعة الفخار التي تعود إلى أوائل العصور الوسطى. ففي إحدى المناطق عُثر على مجمع حرفي يضم أربعة أفران صغيرة على الأقل تعود إلى القرنين السابع والثامن، إضافة إلى فرن آخر خارج أسوار المدينة الرومانية القديمة. وأتاحت هذه الاكتشافات للباحثين فرصة نادرة لمقارنة الفخار المستخدم في مناطق السكن بشكل مباشر مع الأواني المرتبطة بمناطق الإنتاج.
وأظهرت النتائج أن الغالبية العظمى من الفخار المستخدم في وليلي صُنعت محلياً لتلبية احتياجات سكان المدينة. كما كشفت الاختلافات الكيميائية عن استخدام خمسة مصادر مختلفة للطين على الأقل، فيما أظهرت المقارنة مع عينات جُمعت من محيط الموقع أن عدداً من هذه المصادر كان محلياً.
ولم يكن الخزافون يستخدمون الطين المتاح بطريقة عشوائية، بل يبدو أنهم كانوا يختارون المواد الخام ويعدلونها بعناية وفق الوظيفة المطلوبة من كل إناء. فقد صُنعت أواني الطبخ اليدوية عادة من طين منخفض المحتوى من الكالسيوم وغني بالألومينا (أكسيد الألومنيوم)، وهي خصائص جعلته أكثر تحملاً للحرارة وأكثر ملاءمة للأواني التي تتعرض للنار بصورة متكررة.
كما أضاف الخزافون إلى هذا الطين كميات كبيرة من مسحوق الفخار المحروق الناتج عن سحق قطع فخارية قديمة. وساعد ذلك على تحسين مقاومة الأواني للتغيرات الحرارية وتقليل احتمال تشققها أثناء عمليات التسخين والتبريد المتكررة. وربما حُرقت بعض هذه الأواني في درجات حرارة منخفضة نسبياً، وربما في نيران مكشوفة بدلاً من الأفران.
أما أواني المائدة المصنوعة على الدولاب، فاتبعت تقليداً تقنياً مختلفاً. فقد استُخدم لها طين ناعم غني بالكالسيوم، ثم شُويت على الأرجح في درجات حرارة أعلى داخل الأفران. وساعدت خصائص هذا النوع من الطين على تشكيل الأواني بسهولة أكبر على الدولاب، مع منحها متانة أعلى بعد الحرق.
واستخدم الخزافون أنواعاً مشابهة من الطين الجيري لصناعة جرار التخزين والجرار الصغيرة وبعض أواني الطبخ المصنوعة على الدولاب، لكنهم عدلوا خصائصها بإضافة مواد عضوية أو معدنية مختلفة بحسب وظيفة كل إناء.
فعلى سبيل المثال، زيدت متانة جرار التخزين الكبيرة من خلال زيادة سمك جدرانها وإضافة مسحوق الفخار المحروق، بينما احتوت أواني الطبخ المصنوعة على الدولاب على كميات كبيرة من المواد المعدنية التي حسنت قدرتها على مقاومة الصدمات الحرارية.
وتكشف هذه الممارسات عن معرفة تقنية واضحة لدى حرفيي وليلي. فلم يعتمدوا وصفة واحدة لصناعة جميع الأواني، بل فهموا خصائص أنواع الطين المختلفة وكيف يمكن تعديلها للحصول على أوانٍ تناسب الطبخ والتخزين والنقل وتقديم الطعام.
ورغم الطابع المحلي الواضح للإنتاج، أظهرت بعض القطع أن وليلي لم تكن معزولة عن شبكات التبادل الأوسع. فمن المرجح أن إناءين يدويين للطبخ جاءا من مناطق أخرى في شمال المغرب. والأكثر أهمية أن الدراسة حددت أمفورتين مصنوعتين من طين منخفض الكالسيوم يشبه رواسب طمي النيل، ما يشير إلى وجود اتصالات متفرقة مع مصر وإلى تبادل المواد عبر شبكات التجارة المتوسطية خلال أواخر القرن السابع والقرن الثامن للميلاد.
ومع ذلك، ظلت هذه الواردات محدودة مقارنة بحجم الإنتاج المحلي. ويبدو أن وليلي اعتمدت أساساً على ورشها المحلية لتوفير الأواني لسكانها، مع استمرار مشاركتها بصورة انتقائية في شبكات تبادل إقليمية ومتوسطية.
وتقدم الدراسة بذلك صورة أكثر وضوحاً عن الإنتاج الحرفي اليومي في المغرب خلال بدايات العصر الإسلامي. كما تبين أن الخزافين المحليين امتلكوا معرفة دقيقة بموادهم الخام، واختاروا تركيبات مختلفة بما يتناسب مع وظائف الأواني واستخداماتها. وتؤكد الدراسة أيضاً أهمية فحص الفخار العادي غير المزجج، وليس القطع المزخرفة أو الفاخرة فقط، لأنه يمثل مصدراً مهماً لفهم الاقتصاد والتكنولوجيا والحياة اليومية في مدن شمال أفريقيا خلال بدايات العصور الوسطى.
تاريخ النشر: 18-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية