- الأخبار الأثرية
-
نماذج ثلاثية الأبعاد للمتاهة العظمية توضح طرق مقارنة شكل الأذن الداخلية.
حقوق الصورة:
Martin et al., Nature Communications (2026)
الأذن الداخلية تكشف تاريخاً خفياً لسكان وادي النيل
استخدمت دراسة جديدة لبقايا بشرية من شمال شرق أفريقيا عملية تشريح الأذن الداخلية لإعادة بناء تاريخ السكان عبر عشرات آلاف السنين. وكشفت النتائج عن استمرارية طويلة الأمد بين جماعات الصيادين وجامعي الثمار، أعقبها تحول ديموغرافي واضح بدأ مع انتشار إنتاج الغذاء خلال العصر الحجري الحديث.
ويُعد ضعف حفظ الحمض النووي القديم في شمال شرق أفريقيا من أبرز العقبات التي تواجه دراسة العلاقات بين السكان القدماء. لذلك ركز الباحثون على التيه العظمي، وهي منظومة من التجاويف داخل العظم الصدغي تضم أعضاء السمع والتوازن. وحسب العلماء، تحمل هيئة هذه البنية مؤشرات وراثية يمكن أن تساعد في تتبع الصلات البيولوجية بين الجماعات البشرية.
وهكذا، قام الفريق بتحليل 194 متاهة عظمية تعود إلى 148 فرداً عاشوا بين نحو 44 ألفاً و3 آلاف عام مضت. وشملت العينات وادي النيل الأوسط في جنوب مصر والسودان، والقرن الأفريقي وأفريقيا الوسطى، إلى جانب عينات للمقارنة من كل من أفريقيا وأوروبا وبلاد الشام.
واستخدم الباحثون ثلاث طرق مستقلة لمقارنة أشكال القنوات الهلالية والدهليز وأجزاء أخرى من الأذن الداخلية، وقد أظهرت الطرق الثلاث نتائج متقاربة.
وكان من أبرز ما توصلت إليه الدراسة وجود استمرارية تطورية واضحة بين جماعات الصيادين وجامعي الثمار في وادي النيل الأوسط. فقد أظهر أفراد من أواخر البليستوسين وأوائل الهولوسين أنماطاً متشابهة في شكل الأذن الداخلية، ما يشير إلى جذور سكانية محلية امتدت لفترة طويلة.
كما أظهرت هذه الجماعات أوجه تشابه مع حفريات أقدم للإنسان العاقل في أفريقيا، من بينها عينات من موقع نزلة خاطر الأثري في مصر، وموقعي إشانغو في أفريقيا الوسطى وهوفمير في جنوب أفريقيا. وتدعم هذه النتائج فكرة وجود جذور بيولوجية عميقة لبعض جماعات الصيادين وجامعي الثمار التي عاشت على امتداد النيل.
لكن هذه الصورة تغيرت مع بداية التحول إلى العصر الحجري الحديث قبل نحو 8 آلاف عام. فقد أظهر الأفراد المرتبطون بالمجتمعات المنتجة للغذاء أشكالاً مختلفة للأذن الداخلية مقارنة بالجماعات السابقة. ويفسر الباحثون ذلك بوصفه دليلاً على حدوث انقطاع بيولوجي مهم، وهو ما يتوافق مع دراسات سابقة للأسنان أشارت إلى وصول أو توسع جماعات ذات صلات بيولوجية مختلفة بالتزامن مع انتشار الرعي والزراعة.
ومع ذلك، لم يكن هذا التحول شاملاً في جميع المناطق. فقد احتفظ بعض الأفراد من المناطق الصحراوية شرق النيل وغربه بخصائص تشبه جماعات الصيادين القديمة حتى بعد انتشار إنتاج الغذاء. حيث يشير ذلك إلى احتمال أن بعض الجماعات المرتبطة بالصيادين وجامعي الثمار ربما استمرت في بعض المناطق وتفاعلت مع المجتمعات المنتجة للغذاء. كما أظهر بعض الأفراد الآخرين خصائص وسيطة بين المجموعتين.
وكشفت الدراسة أيضاً عن وجود تنوع بيولوجي كبير في عينات القرن الأفريقي وأفريقيا الوسطى. وحتى داخل الموقع الأثري نفسه، حيث ظهرت أحياناً اختلافات واضحة في شكل الأذن الداخلية بين الأفراد. ويرى الباحثون أن هذا التنوع قد يعكس تاريخاً سكانياً معقداً شمل الهجرة والتفاعل بين جماعات مختلفة خلال الهولوسين، بدلاً من تطور جماعة سكانية واحدة متجانسة.
ومن النتائج اللافتة كذلك تحديد مجموعة من 13 فرداً، كان معظمهم من الصيادين وجامعي الثمار من أوائل عصر الهولوسين في وادي النيل الأوسط، حيث أظهر التيه العظمي لديهم أشكالاً غير معتادة. كما ظهرت لدى عدد منهم تشوهات خلقية نادرة في الأذن الداخلية.
وتطرح الدراسة عدة تفسيرات محتملة لذلك، منها صغر حجم بعض الجماعات أو انقسامها، وضعف التواصل بينها وبين جماعات أخرى، وتأثير المؤسس، إلى جانب مسألة الزواج داخل مجموعات محدودة نسبياً. وربما ساهمت الظروف المناخية القاسية أيضاً في تقليل الحركة وزيادة العزلة خلال بعض الفترات الجافة.
لكن الباحثين يؤكدون أن الأدلة التشريحية وحدها لا تكفي لإثبات أن العزلة الطويلة الأمد أو الزواج الداخلي كانا السبب المباشر، إذ يمكن أن تنشأ هذه الحالات من التشوه الخلقي نتيجة آليات وراثية ونمائية مختلفة، ولا تزال عدة سيناريوهات ديموغرافية واردة في هذا الصدد.
وقد يساعد السياق البيئي في تفسير بعض هذه الأنماط. فقد شهد شمال شرق أفريقيا تعاقب فترات رطبة عُرفت بمراحل «الصحراء الخضراء»، أتاحت للسكان قدراً أكبر من الحركة والتواصل، وفترات جافة حدّت من التنقل وربما أدت إلى انعزال بعض الجماعات في مناطق أكثر ملاءمة للحياة.
والأهم، أن الدراسة بشكل عام توضح أن البُنى التشريحية الصغيرة المحفوظة داخل الجمجمة يمكن أن توفر مصدراً مهماً لإعادة بناء التاريخ السكاني عندما يغيب الحمض النووي القديم. كما أن النتائج التي خلصُت إليها تقدم صورة أكثر تعقيداً لمنطقة شمال شرق أفريقيا في عصور ما قبل التاريخ، بوصفها منطقة شهدت جذوراً سكانية عميقة، وفترات من العزلة المحلية، إلى جانب الهجرات والتفاعلات والتحولات الديموغرافية الكبرى.
تاريخ النشر: 15-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Nature Communications