- الأخبار الأثرية
-
أسنان الماشية القديمة تكشف عن أقدم تحركات للقطعان في شمال أوروبا
كشف تحليل النظائر المحفوظة في أسنان حيوانات تعود إلى العصر الحجري الحديث المبكر في هولندا عن أقدم دليل معروف على تنقل الماشية في شمال أوروبا، موضحاً أن الأبقار والخنازير كانت تُنقل بين مناطق مختلفة قبل أكثر من ستة آلاف عام. ومن هنا، فإن النتائج تقدم صورة جديدة عن الطريقة التي أدارت بها بعض المجتمعات الزراعية الأولى الواقعة شمال المناطق الزراعية الرئيسية في وسط أوروبا قطعانها، وكيف حافظت على اتصالاتها مع الجماعات الأخرى.
وتأتي الأدلة من موقعي سويفتربانت S3 وS4 في الأراضي الرطبة الهولندية، واللذين يعودان إلى الفترة بين نحو 4240 و4050 قبل الميلاد. حيث كانت مجتمعات ثقافة سويفتربانت (Swifterbant) تجمع بين زراعة المحاصيل وتربية الحيوانات من جهة، والصيد البري وصيد الأسماك وجمع الموارد البرية من جهة أخرى. وتمثل الأبقار المكتشفة في هذين الموقعين أقدم الأبقار المستأنسة المعروفة في شمال أوروبا، ما يمنحها أهمية خاصة لفهم بدايات انتشار الزراعة في المنطقة.
وبسبب ندرة البقايا البشرية المحفوظة جيداً والتي تعود لتلك الفترة، فقد استخدمت الدراسة الحيوانات كوسيلة غير مباشرة لتتبع الحركة. وشمل التحليل نظائر السترونتيوم والأكسجين والكربون المحفوظة في مينا أسنان الأبقار والأغنام والخنازير. حيث تختلف نسب نظائر السترونتيوم باختلاف التركيب الجيولوجي للمناطق، ولذلك يمكنها أن تساعد في تحديد البيئات التي عاش فيها الحيوان خلال مراحل من حياته. كما سمح أخذ عينات من مواضع مختلفة على طول أسنان الأبقار والأغنام من رصد التغيرات التي طرأت أثناء تكوّن الأسنان.
وأظهرت النتائج أن قيم السترونتيوم في خمسة رؤوس من الأبقار وخنزير واحد لا تتوافق مع نطاق سويفتربانت المحلي، ما يشير إلى أنها نشأت في مناطق أخرى. كما ولم يتم العثور على أي أغنام من خارج المنطقة. كما أظهرت أربعة من الأبقار تغيرات ملحوظة في قيم السترونتيوم داخل أسنانها، ما يُوحي بأنها عبرت مناطق جيولوجية مختلفة خلال مراحل حياتها المبكرة. ويبدو أن إحدى الأبقار تحركت مرتين خلال الفترة الممتدة تقريباً بين عمر شهرين واثني عشر شهراً.
وكشف التحليل أيضاً عن علاقة بين مكان منشأ الحيوانات وطريقة تغذيتها. فقد كانت معظم الأبقار والأغنام، التي تشير بصمتها الغذائية إلى الرعي في المروج والسهول الفيضية المفتوحة، تتميز بوجود قيم للنظائر تتوافق مع منطقة سويفتربانت، ما يرجح أن معظمها كان يتم تربيته محلياً. أما المجموعة الثانية، التي أظهرت تحاليل سابقة أن غذاءها كان مرتبطاً ببيئات غنية أكثر بالغابات، فقد تبين أن أربعاً من خمس بقرات فُحصت منها جاءت من خارج المنطقة.
وهذا يعني أن سكان سويفتربانت كانوا يديرون الحيوانات بطرق مختلفة، وليس ضمن قطيع واحد يتبع نظاماً موحداً. فبعض الحيوانات كانت ترعى محلياً في البيئات المفتوحة المعرضة للفيضانات، بينما وصلت حيوانات أخرى من مناطق مختلفة، وربما كانت ترعى في بيئات شبه غابية أو تغذت جزئياً على أوراق الأشجار والنباتات الغابية. ولا تستطيع البيانات الحالية تحديد أي من هذين الاحتمالين حدث بالفعل في جميع الحالات.
أما الموطن الأصلي للحيوانات الوافدة فلا يزال غير مؤكد. فبعض القيم النظيرية تتوافق مع منطقة فيلواه، الواقعة على مسافة نحو 40 كيلومتراً من سويفتربانت، حيث تنتج التربة الرملية القديمة والرواسب الجليدية هناك، والتي تعود إلى عصر البليستوسين، قيماً مناسبة من السترونتيوم. لكن قيماً مشابهة تظهر أيضاً في مناطق أبعد، منها مناطق قرب الحدود الهولندية الألمانية وأجزاء من جنوب هولندا. كما تُعد منطقة الراين الألمانية احتمالاً آخر بسبب وجود قيم نظائر متقاربة وإمكانية استخدام شبكات الأنهار القديمة كطرق للحركة والتواصل. ومع ذلك، فإن اختلاف بصمات النظائر بين الحيوانات يوضح أنها لم تأت جميعها من مكان واحد.
وتشير هذه النتائج إلى أن الماشية كانت جزءاً من شبكات تواصل وتبادل واسعة منذ المراحل الأولى لظهور الزراعة في الأراضي الرطبة الهولندية. كما أن نقل الحيوانات لمسافات ملحوظة كان يتطلب، بدرجة ما، حركة بشرية أيضاً، سواء من خلال الزيارات أو التبادل أو نقل القطعان أو غير ذلك من أشكال الاتصال. وبذلك تضيف الأدلة بعداً جديداً إلى فهم انتشار الزراعة، إذ ربما انتقلت المعرفة الزراعية ليس فقط مع المحاصيل والأدوات والبشر، بل أيضاً من خلال حركة الحيوانات وأساليب إدارتها.
ومع ذلك، لم تكن الأبقار في تلك المرحلة المكوّن الرئيسي للاقتصاد الحيواني في سويفتربانت، إذ كانت بقايا الخنازير أكثر شيوعاً بكثير. لكن بعض الأبقار عاشت لفترات تتجاوز العمر الأنسب لإنتاج اللحوم، في حين لا توجد أدلة على استغلال الحليب خلال هذه المرحلة. وقد يشير ذلك إلى أن الأبقار ربما حملت قيمة اجتماعية أو رمزية إلى جانب وظائفها العملية.
ولا تسمح هذه البيانات القادمة من النظائر بتحديد ما إذا كانت هذه التحركات موسمية أم متقطعة، كما أنها لا تكشف بدقة عن موطن كل حيوان. ومع ذلك، فإنها تقدم دليلاً واضحاً على أن إدارة الماشية في شمال أوروبا خلال العصر الحجري الحديث المبكر كانت أكثر حركة وتعقيداً مما يوحي به مجرد نموذج بسيط من المجتمعات الزراعية المستقرة التي تعتمد فقط على القطعان المحلية.
تاريخ النشر: 06-09-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Scientific Reports