- الأخبار الأثرية
-
نماذج مختارة من مواقد العصر الحديدي في مواقع بكتالونيا، قبل وبعد التنقيب عن أسطح الاحتراق.
حقوق الصورة:
Belarte et al., Journal of Archaeological Science: Reports (2026)
مواقد العصر الحديدي تكشف استخدامات تتجاوز الطهي في منازل أيبيريا القديمة
تشير دراسة أثرية جديدة لمواقد من العصر الحديدي في شمال شرق شبه الجزيرة الأيبيرية إلى أن منشآت النار داخل المنازل لم تُستخدم للطهي فقط، بل ربما أدت أدواراً أخرى مرتبطة بالتدفئة والإضاءة والتجفيف وبعض الأنشطة الحرفية، ما يقدم صورة أكثر تفصيلاً عن الحياة اليومية داخل المنازل القديمة.
وتركز الدراسة على مناطق مخصصة للحرق عُثر عليها في مستوطنات أيبيرية على الساحل المتوسطي لمنطقة كتالونيا الحالية في إسبانيا، وهي تعود أساساً إلى الفترة الممتدة من أواخر القرن السادس إلى القرن الثالث قبل الميلاد. وكانت هذه المستوطنات جزءاً من الثقافة الأيبيرية التي انتشرت على الساحل المتوسطي لشبه الجزيرة، وضمت مراكز حضرية كبيرة إلى جانب قرى ومستوطنات ريفية صغيرة.
وتُعد المواقد من أكثر العناصر شيوعاً داخل المنازل الأيبيرية، ولذلك استخدمها علماء الآثار تقليدياً لتحديد الأماكن المخصصة لإعداد الطعام. وغالباً ما كانت توجد في وسط الغرف الرئيسية، رغم العثور أيضاً على نماذج أخرى بمحاذاة الجدران أو في الزوايا.
لكن وجود النار داخل المنزل لم يكن مرتبطاً بالطهي وحده. فقد تكون المواقد استُخدمت للتدفئة والإضاءة وتجفيف المواد، وربما لبعض الأعمال الحرفية أيضاً. ولذلك فإن وجود أكثر من موقد داخل الغرفة الواحدة قد يشير إلى أن المكان كان يؤدي وظائف متعددة، وليس إلى كونه مجرد مطبخ.
ولفهم هذه الاستخدامات بصورة أفضل، حلل الباحثون 17 موقداً أثرياً من خمسة مواقع في كتالونيا الحالية. وأظهرت المنشآت تنوعاً واضحاً في أشكالها وأحجامها وأساليب بنائها، فمنها الدائري والبيضاوي والمربع والمستطيل وغير المنتظم.
كما اختلفت طرق الإنشاء. ففي بعض الحالات أُشعلت النار فوق سطح مخصص مباشرة على أرضية الغرفة، بينما أُنشئت مواقد أخرى داخل حفر ضحلة تضمنت طبقات تحضيرية من الحصى أو الحجارة الصغيرة أو شظايا الفخار وضعت أسفل سطح الاحتراق.
وجمعت الدراسة بين الحفريات الأثرية والتحليل الميكرومورفولوجي، الذي يعتمد على فحص شرائح مجهرية رقيقة من الرواسب، إلى جانب إجراء تجارب عملية أُنشئت فيها مواقد مشابهة.
وكشف الفحص المجهري عن آثار دقيقة للاستخدام المتكرر للنار، شملت تصلب الرواسب واحمرارها، وظهور طبقات داكنة، وشقوق مجهرية ناتجة عن الحرارة، إضافة إلى بقايا صغيرة من الرماد والفحم في بعض الحالات.
كما أظهرت التحاليل أن المواد المستخدمة في بناء بعض أسطح المواقد تم اختيارها وإعدادها بعناية. فقد استُخدمت رواسب رملية أو طينية رملية ناعمة، جرى خلطها وضغطها لتكوين أسطح تتحمل التعرض المتكرر للحرارة.
وقارن الباحثون هذه النتائج بمواقد تجريبية أُنشئت في قلعة كالافيل الأيبيرية (Citadel of Calafell) المعاد بناؤها.
واستمرت عمليات إشعال النار في التجارب أكثر من خمس ساعات، وفي معظم الحالات تجاوزت سبع ساعات. واستخدم الباحثون أنواعاً مختلفة من الوقود شملت أخشاب الصنوبر والبلوط والشعير وأوراق النخيل والأعشاب، وأضيف روث الحيوانات في إحدى التجارب. كما استُخدمت أوانٍ فخارية لغلي عظام الخنازير لمحاكاة أنشطة الطهي.
وأظهرت التجارب نتيجة لافتة. فقد كان يُفترض أن طبقات الحصى أو شظايا الفخار الموجودة أسفل بعض المواقد ستساعد على الاحتفاظ بالحرارة. لكن إزالة طبقة من شظايا الفخار من أحد المواقد التجريبية لم تؤد إلى تغير كبير في أدائه.
وبشكل عام، تمكنت أنواع المواقد التي تم اختبارها من الحفاظ على درجات حرارة تقارب 400 درجة مئوية لمدة ثلاث إلى أربع ساعات، مع تأثير واضح لعوامل أخرى مثل جفاف الوقود والرطوبة والظروف الجوية.
وتشير هذه النتائج إلى أن الاختلاف في بناء المواقد لا يمكن تفسيره بالكفاءة الحرارية وحدها. حيث يرجح الباحثون أن المواقد المبنية بعناية والمزودة بطبقات للتحضير كانت تُستخدم أساساً للطهي، في حين ربما خُصصت المواقد البسيطة والمسطحة لاستخدامات أخرى أو لاستعمال أقل انتظاماً، مثل التدفئة أو التجفيف.
وفي موقع ماسييس دي سانت ميكيل (Masies de Sant Miquel)، على سبيل المثال، ارتبطت بعض المواقد ذات الطبقات التحضيرية بمناطق إعداد الطعام، بينما وُجدت مواقد مسطحة في أماكن للتخزين والعمل، حيث ربما استُخدمت للتدفئة أو التجفيف.
وتوضح الدراسة بذلك أن العثور على موقد داخل منزل قديم لا يعني بالضرورة تحديد موقع المطبخ. فاختلاف أشكال المواقد وطريقة بنائها وموقعها داخل المنزل قد يعكس تنوع الأنشطة التي ارتبطت بالنار، كما أنها تقدم رؤية أكثر دقة لكيفية استخدام سكان شمال شرق أيبيريا للنار في الطهي والعمل والتدفئة وتنظيم الحياة اليومية خلال العصر الحديدي.
تاريخ النشر: 25-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية