- الأخبار الأثرية
-
صور مجهرية وصورة فوتوغرافية لطبعات الأرز المحفوظة في الفخار القديم، تشمل حبة أرز وقشور الأرز.
حقوق الصورة:
Endo et al., Frontiers in Environmental Archaeology (2026)
طبعات الحبوب على الفخار تكشف الزراعة القديمة في سهوب كازاخستان
تكشف دراسة أثرية جديدة من جنوب كازاخستان صورة أكثر تنوعاً لاقتصاد المجتمعات القديمة التي عاشت في سهوب آسيا الوسطى، حيث تتحدى التصور التقليدي الذي ربط هذه المجتمعات بصورة شبه كاملة بالرعاة الرحل. فقد أظهرت طبعات حبوب محفوظة داخل قطع فخارية أن الزراعة كانت جزءاً من أنماط المعيشة المحلية على امتداد أكثر من ألفي عام، وتحديداً منذ العصر البرونزي وحتى العصر الحديدي، وذلك إلى جانب تربية الحيوانات وغيرها من الأنشطة الاقتصادية.
واعتمدت الدراسة على فحص قطع فخارية من 24 موقعاً أثرياً في جنوب كازاخستان، منها 15 مجموعة لم تخضع سابقاً لهذا النوع من التحليل. وتتراوح تواريخ هذه المواقع بين حوالي 1700 قبل الميلاد و400 ميلادي، وهي تغطي نطاقاً واسعاً يقع بين مناطق السهوب الرعوية في الشمال والمناطق الزراعية الأكثر كثافة في الجنوب. حيث تمكن الباحثون من تحديد طبعات الشعير المقشور وغير المقشور، والدخن العادي، ودخن ذيل الثعلب، إضافة إلى الأرز.
ويشير الباحثون إلى أنه في كثير من الأحيان يصعب العثور على بقايا نباتية محفوظة في المواقع المفتوحة داخل السهوب، لأن التعرية وحركة الرياح قد تدمران الطبقات الأثرية أو تخلطان محتوياتها. لذلك استخدمت الدراسة الفخار نفسه بوصفه مصدراً للمعلومات النباتية. فقد كانت الحبوب أو أجزاء النباتات تلتصق أحياناً بالطين الرطب أو تُضغط فيه أثناء صناعة الأواني، ثم تبقى أشكالها محفوظة بعد حرق الفخار حتى لو اختفت المادة النباتية الأصلية.
وهكذا، فحص الباحثون أسطح القطع الفخارية والتجاويف الموجودة فيها، وصنعوا قوالب من السيليكون لعدد من الطبعات المختارة. وبعد ذلك دُرست هذه القوالب باستخدام المجهر الإلكتروني الماسح، مما أتاح مقارنة شكل الحبوب والقشور والأخاديد والتفاصيل السطحية بخصائص أنواع الحبوب المعروفة. وتوفر هذه الطريقة لمحة مباشرة عن النباتات الموجودة في البيئة المنزلية خلال الفترة القصيرة التي صُنعت فيها الأواني.
وأظهرت النتائج وجود طبعات لحبوب مستأنسة في جميع المواقع الستة التي تعود إلى العصر البرونزي. كما ظهرت الحبوب في ثمانية من أصل تسعة مواقع من العصر الحديدي مرتبطة بثقافة الساكا، وهي جماعات لطالما وُصفت تقليدياً بأنها من الرعاة الرحل، إضافة إلى معظم مواقع العصر الحديدي الأكثر استقراراً والتي شملتها الدراسة. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن طبعات الفخار لا تسمح بقياس كمية الحبوب في الغذاء، كما أنها لا تثبت بصورة قاطعة أن جميع هذه المحاصيل زُرعت محلياً. لكن انتشارها في عدد كبير من المواقع يشير إلى أن الزراعة كانت جزءاً لا يتجزأ من الحياة الاقتصادية في معظم أنحاء المنطقة.
وتشير الأدلة أيضاً إلى وجود تغير في أنواع المحاصيل عبر الزمن. فقد بدا الشعير أكثر أهمية خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، بينما أصبح الدخن العادي أكثر انتشاراً خلال الألفية الأولى قبل الميلاد. حيث عُثر عليه في 15 من أصل 19 موقعاً من العصر الحديدي شملتها الدراسة. وربما ساعدت قدرته على النمو في ظروف جافة نسبياً، إلى جانب قصر موسمه الزراعي، على زراعته في قطع صغيرة من الأراضي قرب الأنهار أو عند المخيمات الموسمية، بحيث يتكامل مع نمط الحياة الرعوية المتنقلة.
وتشير عدة آثار أيضاً إلى أن حبوب الدخن كانت تُعالج للاستهلاك البشري بدلاً من استخدامها كعلف للحيوانات. كما يدعم وجود القشور وأجزاء نباتية أخرى احتمال زراعة بعض المحاصيل محلياً على الأقل، مع أن الباحثين يؤكدون أنه لا يمكن إثبات ذلك بشكل قاطع حتى الآن.
ومن أبرز نتائج البحث العثور على خمس طبعات للأرز في موقعي مينتوبي وكولتوبي على طول نهر سيحون، حيث كانت تمثل حبة واحدة وأربع قشور. وترتبط هذه المكتشفات بسياقات تعود إلى القرون الأولى الميلادية، وتصفها الدراسة بأنها من أقدم بقايا الأرز المعروفة خارج شرق آسيا. كما يشير وجود طبعات القشور إلى احتمال معالجة الأرز بالقرب من مناطق النشاط المنزلي وصناعة الفخار.
وتكتسب هذه الأدلة أهمية خاصة لأنها تضيف مساراً شمالياً جنوبياً إلى النقاش الدائر حول انتقال المحاصيل عبر آسيا الوسطى. ويرجح الباحثون أن الأرز وصل إلى المنطقة من الجنوب، في حين انتقلت محاصيل أخرى عبر مسارات مختلفة عبر أوراسيا. ولذلك، ربما لم تكن منطقة جنوب كازاخستان مجرد حدود فاصلة بين المزارعين والرعاة، بل كانت ملتقى ثقافياً تلاقت فيه المحاصيل والتقنيات والتقاليد الاقتصادية المتنوعة.
وتقدم الدراسة في مجملها اقتصاد سهوب آسيا الوسطى بوصفه نظاماً مرناً يجمع بين الرعي والزراعة بدرجات مختلفة، بدلاً من الفصل الحاد بين نمطين مستقلين. وتظهر طبعات الفخار أن السكان تكيفوا مع البيئات الجافة وأدخلوا الزراعة ضمن استراتيجياتهم الاقتصادية بطرق متنوعة عبر الزمن، مما يعزز صورة آسيا الوسطى القديمة كمنطقة مترابطة ومتنوعة اقتصادياً، وليست فضاءً للرعاة الرحل وحدهم.
تاريخ النشر: 01-09-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية