- الأخبار الأثرية
-
إعادة بناء ثلاثية الأبعاد بالتصوير المقطعي لفك المومياء، تُظهر تآكلاً شديداً في الأسنان السفلية يُرجح ارتباطه بوجود الرمل والحبيبات الخشنة في الغذاء.
حقوق الصورة:
Minella et al., Frontiers in Environmental Archaeology (2026)
رأس مومياء مصرية منسية في ليتوانيا تكشف تفاصيل جديدة عن التحنيط القديم
كشفت دراسة متعددة التخصصات أجريت على رأس مومياء مصرية ظل لعقود ضمن مقتنيات المتحف الوطني الليتواني عن معلومات جديدة حول عمر صاحبها وحالته الصحية وأساليب تحنيطه والفترة التي عاش فيها، كما أعادت فتح التساؤلات حول أصل هذه البقايا والطريق الذي سلكته حتى وصلت إلى أوروبا.
وخضعت المومياء للدراسة عام 2025 ضمن مشروع المومياوات الليتواني، حيث جمع الباحثون بين الفحص المباشر، والتصوير المقطعي المحوسب، وإعادة البناء ثلاثية الأبعاد، والتأريخ بالكربون المشع، والتحليل الكيميائي. وأتاح هذا النهج دراسة البقايا بصورة مفصلة من دون الحاجة إلى إتلافها أو أخذ عينات كبيرة منها.
وبشكل عام، كانت البقايا تتكون من الجمجمة والفك السفلي وأجزاء من الرقبة والفقرات العنقية الأربع الأولى، إضافة إلى بقايا من لفائف الكتان الأصلية المشبعة بمواد راتنجية، وهي عناصر تؤكد أن الرأس خضع بالفعل لعملية تحنيط مصرية قديمة.
وأظهر التصوير المقطعي أن الرأس يعود إلى رجل بالغ يُرجح أنه توفي بين سن 25 و40 عاماً. واعتمد الباحثون في ذلك على مجموعة من الخصائص التشريحية للجمجمة والأسنان، من بينها اكتمال ظهور أضراس العقل وبقاء دروز الجمجمة مفتوحة نسبياً.
لكن الأسنان كانت من أكثر أجزاء المومياء كشفاً لتفاصيل حياة الشخص. فقد أظهرت تآكلاً شديداً في الأسنان العلوية والسفلية، إلى جانب أمراض سنية متعددة. كما ظهرت إصابة واضحة حول الضرس العلوي الأيسر الأول تشير إلى التهاب مزمن، إضافة إلى أدلة على التسوس وفقدان بعض الأسنان خلال حياة الشخص.
ويرى الباحثون أن شدة تآكل الأسنان تتوافق مع نظام غذائي خشن ومُسبّب للاحتكاك، وهو نمط معروف لدى كثير من سكان مصر القديمة، حيث كان طحن الحبوب وإعداد الطعام يؤدي أحياناً إلى اختلاطه بحبيبات دقيقة من الرمل أو الحجر، فتتسبب مع مرور الوقت في تآكل الأسنان.
أما سبب الوفاة فلا يزال مجهولاً. حيث تشير الدراسة إلى أن الخراج المتفاقم حول أحد الأسنان ربما أثر في صحة الرجل، بل كان من الممكن أن يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، لكن الأدلة المتوفرة لا تسمح باعتباره سبب الوفاة المباشر بصورة مؤكدة.
كما وكشفت صور الأشعة المقطعية أيضاً عن تفاصيل مهمة لعملية التحنيط. فقد أُزيل الدماغ بالكامل عبر الأنف، من خلال فتحات أُحدثت في الصفيحة الغربالية التي تفصل التجويف الأنفي عن داخل الجمجمة. واللافت أن الصور تشير إلى احتمال وجود فتحتين منفصلتين، بدلاً من فتحة واحدة كما هو معروف في كثير من حالات استخراج الدماغ المصرية القديمة.
وبعد إزالة الدماغ، تُرك تجويف الجمجمة فارغاً من دون ملئه بالراتنج أو مواد أخرى. وفي المقابل، وُضعت مواد من الكتان أو الألياف داخل محجري العينين والفم، وربما كان الهدف منها الحفاظ على مظهر الوجه والتعويض عن انكماش الأنسجة بعد الوفاة.
وتتوافق هذه الأساليب بصورة عامة مع بعض ممارسات التحنيط التي عُرفت لدى أفراد غير منتمين إلى النخبة خلال عصر الانتقال الثالث، مع تأكيد الباحثين أن تقنيات التحنيط خلال هذه الفترة كانت متنوعة، ولذلك لا يمكن وبصورة قاطعة تحديد المكانة الاجتماعية للفرد اعتماداً على هذه السمات وحدها.
أما التأريخ بالكربون المشع، فقدم الدليل الأهم على عمر المومياء. فقد تم تحديد تاريخ قطعة من لفائف الكتان بعد تنظيفها كيميائياً من المواد الراتنجية إلى الفترة بين نحو 816 و753 قبل الميلاد، وهو ما يضعها ضمن عصر الانتقال الثالث، وبصورة أكثر تحديداً في فترة الأسرة الثالثة والعشرين تقريباً.
ولأن الدراسة التزمت بأساليب غير متلفة، لم يأخذ الباحثون عينة مباشرة من العظام أو الأنسجة، ولذلك فإن التاريخ يعود إلى الكتان نفسه، مع افتراض أن عملية التحنيط ولف الجسد تمت في الفترة الزمنية نفسها تقريباً.
وأضاف التحليل الكيميائي مزيداً من التفاصيل حول المواد المستخدمة في التحنيط. فقد كشفت العينات عن مادة عضوية تحتوي على أحماض دهنية يمكن أن تكون ناتجة من زيوت نباتية أو حيوانية، مع ترجيح المصدر النباتي. وكان اللون الداكن للمومياء قد أثار احتمال استخدام القار، لكن التحاليل لم تتمكن من إثبات وجوده.
بل إن بعض النتائج تفتح احتمالاً آخر، وهو أن مادة داكنة شبيهة بقطران الفحم ربما أضيفت إلى الرأس في زمن أحدث، وربما أثناء وجوده في إحدى المجموعات المتحفية، إلا أن هذا الاحتمال لا يزال غير محسوم.
كما لم يتمكن الباحثون من تحديد المصدر الدقيق للمادة الراتنجية الأصلية. فقد ظهر أحد المركبات المرتبطة براتنج الصنوبر القديم، لكن بقية المؤشرات الكيميائية اللازمة لإثبات استخدام الصنوبر أو غيره من أنواع الراتنج لم تكن موجودة بصورة كافية.
واللافت، أن تاريخ المومياء بعد خروجها من مصر لا يقل تعقيداً عن الاكتشافات العلمية الحديثة. فبحسب الوثائق المتاحة، حصل الطبيب الروسي إيفان تشوريلوف على الرأس عام 1886. حيث تشير السجلات إلى أنه زار مصر والسودان بين عامي 1886 و1890، في فترة كانت تجارة الآثار المصرية خلالها واسعة وقليلة التنظيم.
ومع ذلك، لا توجد وثيقة تحدد المكان الذي حصل منه على المومياء أو الشخص الذي باعها له. وفي عام 1936، باع تشوريلوف الرأس إلى متحف الدولة لتاريخ الأديان في سانت بطرسبرغ، حيث تم تسجيله ضمن مجموعة تضم رأساً محنطاً آخر وقيل إن كليهما جاء من منف (ممفيس القديمة). ثم نُقل الرأس عام 1976 إلى متحف الإلحاد في جمهورية ليتوانيا السوفيتية، وبعد استقلال ليتوانيا دخل في النهاية إلى مجموعة المتحف الوطني الليتواني. أما الرأس الثاني الذي كان مسجلاً معه، فلا يزال مصيره مجهولاً.
لكن نسبة المومياء إلى مدينة منف القديمة لا يمكن تأكيدها أثرياً. فالمقابر الرسمية الكبيرة التي تعود لتلك الفترة غير موثقة جيداً داخل منف نفسها، بينما خضعت سقارة المجاورة، وهي المقبرة الرئيسية لمنف القديمة، لحفريات واسعة النطاق ونهب متكرر خلال القرن التاسع عشر.
ولهذا يرى الباحثون أن أحد الاحتمالات المعقولة هو أن الرأس جاء من مدفن غير موثق في سقارة أو من موقع آخر ضمن منطقة منف، ثم تم بيعه لاحقاً تحت مسمى «منف». ومع ذلك، يؤكدون أن هذا يبقى مجرد تكهنات، وأنه لا يمكن حتى الآن تحديد الأصل الأثري الدقيق للرأس.
وتتجاوز أهمية الدراسة مجرد الكشف عن تفاصيل حياة رجل مصري عاش قبل نحو 2,800 عام. حيث إنها توضح أيضاً القيمة العلمية التي يمكن أن تحملها بقايا بشرية ظلت لعقود بعيدة عن الدراسة داخل مخازن المتاحف. فمن خلال التصوير المقطعي وإعادة البناء ثلاثية الأبعاد والتأريخ والتحليل الكيميائي، أمكن استعادة قدر كبير من المعلومات من دون الإضرار بالمومياء. وهكذا تحولت قطعة متحفية قليلة التوثيق إلى مصدر جديد لفهم التحنيط والحالة الصحية والاختلافات الاجتماعية في مصر القديمة.
تاريخ النشر: 30-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية