- الأخبار الأثرية
-
إعادة بناء ثلاثية الأبعاد لجزء من الإناء المزخرف بالأفعى والمرتبط بعبادة سابازيوس.
حقوق الصورة:
Bouzas Sabater et al., Antiquity (2026)
إناء برؤوس أفاعي يكشف دليلاً مبكراً على عبادة سابازيوس في إسبانيا الرومانية
تُقدّم دراسة جديدة لقطع فخارية عُثر عليها في فيلا كوليت الرومانية شمال شرق إسبانيا دليلاً نادراً على وصول عبادة الإله سابازيوس إلى المناطق الغربية من الإمبراطورية الرومانية خلال العصر الأوغسطي.
وعلى الرغم من أن الإناء لم يتبقَّ منه سوى أجزاء محدودة، فإنها كانت كافية لإظهار أنه كان إناءً كبيراً مزوداً بمقبض أفقي ينتهي برأسي أفعى. وقد زُخرف جسم المقبض بشقوق نصف دائرية تحاكي حراشف الزواحف، إلى جانب زخارف إضافية على الحافة، الأمر الذي يشير إلى أن القطعة ربما كانت تحمل أهمية طقسية تتجاوز استخدامها كإناء عادي.
وفي هذا السياق، يرى الباحثون أن هذه الرموز تربط القطعة على الأرجح بعبادة سابازيوس، وهو إله ذو أصول تراقيّة وفريجية انتشرت عبادته في بعض أنحاء العالم الروماني، لكنها ظلت محدودة الحضور في شبه الجزيرة الأيبيرية.
ومن الناحية الجغرافية، تقع فيلا كوليت فوق خليج بالاموس على الساحل الكتالوني، على بعد نحو 40 كيلومتراً جنوب مدينة إمبورياي الرومانية، وهي إمبوريس الحالية. وقد بدأ الموقع كمستوطنة ريفية، قبل أن يتطور إلى فيلا رومانية ذات طابع إنتاجي وسكني، ثم يشهد في مراحل لاحقة توسعات أكثر فخامة.
وفيما يخص سياق الاكتشاف، عُثر على القطع المزينة بالأفاعي في طبقات أثرية تعود إلى العصر الأوغسطي. وبما أن الإناء كان مكسوراً ومدفوناً بالفعل خلال هذه المرحلة، يرجح الباحثون أنه صُنع في العصر الأوغسطي نفسه أو قبله بقليل.
وبهدف فهم طبيعة القطعة وأصلها بصورة أفضل، اعتمد الفريق منهجاً تكاملياً جمع بين دراسة شكل الإناء وسياقه الطبقي، والفحص بالمجهر، وتحليل حيود الأشعة السينية، إلى جانب إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد.
وأظهرت النتائج أن الأجزاء المحفوظة تنتمي إلى حافة ومقبض كان ينتهي برأس أفعى عند كل طرف. ورغم وجود أوجه شبه مع أوانٍ ارتبطت بعبادة سابازيوس في بلاد الغال ومناطق أخرى من أوروبا الرومانية، فإن إناء كوليت لا يمكن نسبته بثقة إلى أي طراز خزفي معروف.
ومن جهة أخرى، أضاف التحليل المعدني والكيميائي للطين بعداً جديداً إلى البحث في أصل الإناء، إذ كشف عن وجود الكوارتز والميكا والفلسبار، إلى جانب آثار طبقة فاتحة اللون على سطح القطعة. ورغم أن تركيب الطين يمكن أن يتوافق مع إنتاج محلي، فإنه يختلف عن الفخار المعروف من الورش القريبة.
وفي هذا الصدد، تشير بعض الخصائص، ولا سيما احتمال استخدام بطانة بيضاء، إلى إمكانية أن يكون الإناء قد صُنع في شمال أفريقيا. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذا الاحتمال لا يزال غير محسوم، خصوصاً أن الأدلة على عبادة سابازيوس في أفريقيا الرومانية نفسها شحيحة للغاية.
وتستند الصلة الدينية بالدرجة الأولى إلى رمزية الأفعى، التي ظهرت بصورة متكررة في الأدوات المرتبطة بعبادة سابازيوس.
فقد ارتبطت هذه العبادة بمجموعة مميزة من القطع الطقوسية، من أبرزها الأيدي البرونزية والصفائح المزخرفة وبعض الأواني التي حملت صوراً للأفاعي والضفادع وغيرها من الرموز.
وتشير الأدلة إلى أن هذه العبادة كانت محدودة الانتشار وذات طابع خاص، إذ مورست غالباً في البيئات المنزلية، لا في المعابد العامة الكبرى.
ومع ذلك، فإن وجود زخارف على شكل أفاعٍ لا يكفي وحده لإثبات ارتباط الإناء بسابازيوس، لأن أواني مشابهة ظهرت أيضاً في سياقات مرتبطة بعبادة ميثرا وممارسات طقوسية أخرى. ومن هذا المنطلق، يظل السياق الأثري المحيط بالقطعة عنصراً حاسماً في تفسير مدلولها التاريخي.
وفي شمال شرق شبه الجزيرة الأيبيرية، عُثر بالفعل على أوانٍ مشابهة مزينة بالأفاعي في إمبوريس وتوليغاسوس وكامب دي لا غروتا. غير أن ما يعزز الصلة بعبادة سابازيوس تحديداً هو العثور في إمبوريس على صفائح برونزية ثلاثية تصور الإله ورموزه، وتعود إلى العصر الأوغسطي أو بداية القرن الأول الميلادي.
وتأسيساً على ذلك، يطرح الباحثون فرضية مفادها أن كاهناً متنقلاً أو متخصصاً في الشؤون الدينية قد يكون أسهم في إدخال هذه العبادة إلى إمبوريس، وربما جاء من المقاطعات الشرقية للإمبراطورية.
ومن إمبوريس، يُحتمل أن تكون الممارسات المرتبطة بسابازيوس قد انتقلت تدريجياً إلى المناطق الريفية المحيطة، ومنها فيلا كوليت. ويرجح الباحثون أن هذه العبادة مورست في إطار طقوس دينية خاصة داخل المنازل، وليس ضمن مؤسسة دينية عامة أو معبد كبير.
أما الوظيفة الدقيقة للإناء فلا تزال غير معروفة. فقد اقتُرح أن بعض الأواني الطقوسية المشابهة ربما استُخدمت في سياقات مرتبطة بالذبائح، وربما لجمع دماء الأضاحي، لكن الدراسة تؤكد أن الأدلة المتوفرة لا تكفي لإثبات أن إناء كوليت أدى هذه الوظيفة تحديداً.
وعلى نطاق أوسع، تكمن أهمية هذا الاكتشاف في ما يكشفه عن حركة المعتقدات داخل الإمبراطورية الرومانية.
فإناء كوليت يشير إلى أن بعض العبادات الصغيرة والخاصة لم تبقَ محصورة في المدن الكبرى أو في المناطق التي نشأت فيها، بل استطاعت الانتقال عبر مسافات بعيدة والوصول إلى المجتمعات الريفية في أطراف العالم الروماني.
كما أن تأريخ القطعة إلى العصر الأوغسطي يجعلها دليلاً مبكراً على هذا النوع من الانتشار الديني والثقافي في شبه الجزيرة الأيبيرية.
ومن هذا المنطلق، يقدم الإناء، رغم بقاء أجزاء محدودة منه فقط، لمحة مهمة عن التنوع الديني في الإمبراطورية الرومانية، مسلطاً الضوء على الشبكات التي انتقلت عبرها المعتقدات والرموز والطقوس بين شرق البحر المتوسط وغربه.
تاريخ النشر: 27-08-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Antiquity