- الأخبار الأثرية
-
كهف هزار مرد يُعيد فتح فصل هام من تاريخ جبال زاغروس
أعادت أعمال أثرية جديدة في كهف هزار مرد بإقليم كردستان العراق تسليط الضوء على أحد أهم مواقع العصر الحجري القديم في جبال زاغروس. فقد نُقّب الموقع أول مرة عام 1928، وهو يُعد أقدم موقع موثق من العصر الحجري القديم في زاغروس، ومحطة أساسية في تاريخ أبحاث ما قبل التاريخ في المنطقة.
يقع كهف هزار مرد قرب مدينة السليمانية الحالية، على بعد نحو 178 كيلومتراً جنوب شرق كهف شاندر. حيث تكتسب المنطقة أهمية خاصة، على اعتبار أنها قد تكون المنطقة التي مثّلت ممراً لهجرة الإنسان العاقل المبكر من أفريقيا، وفي الوقت نفسه جزءاً من الامتداد الجنوبي الشرقي لاستيطان إنسان نياندرتال.
لقد أُجريت أولى التنقيبات في الموقع على يد دوروثي غارود قبل نحو قرن من الزمان، حين شملت الأعمال التي أجريت عام 1928 موقعي كهف زرزي وهزار مرد. ففي الكهف المظلم (Ashkawty Tarik)، وهو جزء من منظومة هزار مرد، وثقت غارود وجود تسلسل طبقي عميق يمتد من العصر البرونزي إلى العصر الحجري القديم الأوسط. حيث حددت التنقيبات آنذاك مستوى علوياً مضطرباً، وطبقة رقيقة تعود إلى العصر الحجري القديم الأعلى، ورواسب موستيرية أكثر سماكة تحتوي على مواقد ورقائق صوان محترقة، إلى جانب عدد كبير من البقايا الحيوانية.
أما التحقيقات الأثرية الجديدة في الكهف، والتي بدأت عام 2025، فقد عمدت إلى استخدام أدوات بحث أثرية حديثة ومتطورة. لاسيما وأن مناطق التنقيب السابقة كانت ما تزال ظاهرة، مما سمح للباحثين بتحديد مواقع الخنادق الجديدة بدقة. وهكذا قام المختصون بفتح ثلاثة خنادق اختبارية في مناطق مختلفة من الكهف، استهدفت المنطقة المركزية والرواسب الأعمق للعصر الحجري القديم الأوسط على طول جدران الكهف.
وأشارت النتائج إلى أن الموقع أغنى وأكثر تعقيداً بكثير مما كان يُعتقد سابقاً. ففي الخندق المركزي، عثر الباحثون على طبقة تعود إلى العصر الحجري القديم الأعلى تبلغ سماكتها نحو 0.40 متر، وهي تعلو مباشرة رواسب العصر الحجري القديم الأوسط. وهذا يتناقض مع وصف غارود السابق لطبقة العصر الحجري القديم الأعلى على أنها طبقة رقيقة جداً.
كما قدمت طبقات العصر الحجري القديم الأوسط مجموعة غنية من الأدوات الحجرية المصنوعة بتقنية ليفالوا، و هي طريقة لصناعة الأدوات الحجرية استخدمها كل من إنسان النياندرتال والإنسان الحديث في أوروبا وبلاد الشام. وقد اشتملت المكتشفات على مجموعة من رؤوس السهام والرقائق الحجرية، إلى جانب مجموعة من المكاشط الجانبية والمتقاربة. وتُظهر بعض الأدوات خصائص نموذجية للعصر الموستيري في زاغروس، بينما تُشبه أدوات أخرى أشكالاً من نمط بلاد الشام. وهذا ما قد يُشير هذا إلى صورة تقنية أكثر تعقيداً في الموقع، مع ضرورة إجراء المزيد من التحليل للوصول إلى نتائج أفضل.
وقد عثر الباحثون أيضاً على العديد من البقايا الحيوانية، ولا سيما الأسنان والسلاميات العائدة إلى أنواع من الأبقار والماعز البرية. كما أظهرت بعض العظام آثار قطع، ما قد يساعد في إعادة بناء أنماط المعيشة واستخدام المساحات داخل الكهف. كما أن تركز البقايا الحيوانية في الخنادق القريبة من الجدران قد يعكس سلوكاً منظماً، أو استخداماً وظيفياً للمكان، أو يمكن عمليات حدثت ما بعد الترسيب.
وستعتمد الأبحاث القادمة على مجموعة واسعة من الطرق العلمية، تشمل التأريخ بالضيائية وبالكربون المشع، وتحليل الرواسب، إضافة إلى الدراسات المجهرية ودراسة الحمض النووي الموجود في الرواسب القديمة، وذلك إلى جانب تحليل آثار الحيوان باستخدام مطياف الكتلة (ZooMS) من أجل العظام المتفتتة. وتهدف هذه الطرق إلى بناء إطار زمني دقيق، وفهم كل من الظروف البيئية والتحولات الثقافية وحركات السكان المحتملة بين نحو 60,000 و40,000 سنة مضت.
وعموماً، تؤكد الأعمال الجديدة في هزار مرد الأهمية التي يحملها الكهف من أجل فهم المراحل الأخيرة من تاريخ إنسان نياندرتال ووجود الإنسان العاقل المبكر في جبال زاغروس. ومع اقتراب مرور مئة عام على التنقيبات الأولى، يعود الموقع ليبرز بوصفه مرجعاً رئيسياً لأبحاث العصر الحجري القديم في جنوب غرب آسيا.
تاريخ النشر: 17-06-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Antiquity