- الأخبار الأثرية
-
آثار تكشف عن مستوطنة رومانية أُنشئت لجماعة هُجّرت قسراً من موطنها
تلقي أبحاث أثرية جديدة في جنوبي إيطاليا الضوء على كيفية استخدام روما القديمة لعمليات الترحيل القسري للسكان بوصفها استراتيجية لتوسيع سيطرتها وترسيخ وجودها في المناطق الخاضعة لها.
وتركز الدراسة على الليغوريين البايبيانيين (Ligures Baebiani)، وهم جماعة تنحدر من مجموعات ليغورية نقلتها روما قسراً من شمال غربي إيطاليا إلى إقليم سامنيوم خلال القرن الثاني قبل الميلاد. حيث أسفرت المسوحات الجيوفيزيائية الحديثة في موقع ماكيا دي كيركيلو (Macchia di Circello) بمقاطعة كمبانية في إيطاليا عن رسم الخريطة الأكثر شمولاً حتى الآن للمستوطنة التي أُنشئت خصيصاً لتلك الجماعة المهجرة.
وتذكر المصادر التاريخية القديمة أن السكان الليغوريين الأبوانيين قاوموا التوسع الروماني لسنوات طويلة في واديي ماغرا وفارا. وفي عامي 180 و179 قبل الميلاد، قامت السلطات الرومانية بنقل ما يقرب من 47 ألف شخص قسراً من موطنهم إلى أراضٍ في منطقة سامنيوم.
ويبدو أن السكان المرحلين قُسموا إلى جماعتين عُرفتا باسم الليغوريين البايبيانيين والليغوريين الكورنيليانيين. وقد اشتُق اسم البايبيانيين من اسم القنصل الروماني الذي أشرف على عملية النقل. كما قدمت روما مساعدات مالية وعينت لجنة للإشراف على توزيع الأراضي على السكان المرحلين.
والجدير ذكره، أن الأراضي المختارة للمستوطنين كانت قد صودرت سابقاً من السامنيتيين وضُمّت إلى الأراضي الرومانية العامة. ومن هنا، ربما حققت عملية الترحيل عدة أهداف في وقت واحد، منها إبعاد إحدى جماعات المقاومة عن ليغوريا، وإخلاء أراضٍ لإقامة مستعمرات رومانية هناك، إلى جانب تعزيز الاستيطان والتنمية الاقتصادية في الأراضي السامنيتية الخاضعة.
وظل الموقع الدقيق لمستوطنة الليغوريين البايبيانيين غير معروف حتى اكتشاف نقش في موقع ماكيا دي كيركيلو عام 1817. وقد أكد النص وجود الجماعة في المنطقة، وربطها بأحد المحسنين المرتبطين بحمام روماني عام.
وقد كشفت الحفريات التي أُجريت في ثمانينيات القرن الماضي عن جزء من المستوطنة، شمل معبداً ومجمعين للحمامات وشارعاً تصطف على جانبيه متاجر أو أكشاك، إضافة إلى فخار يعود إلى الفترة الممتدة من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الخامس الميلادي. كما وعثر علماء الآثار على معبد سامنيتي أقدم يقع تحت المعبد الروماني، ما يشير إلى أن الموقع كان يتمتع بأهمية دينية قبل وصول المستوطنين الليغوريين.
ويجمع المشروع الحالي الذي يطلق عليه اسم (UPROOTED) بين المسح الجيوفيزيائي والتنقيب وتحليل المواد وعلم الآثار الحيوي، وذلك بهدف دراسة كيفية تنفيذ عملية الترحيل التي نظمها الرومان. كما يسعى إلى فهم كيفية تكيف الجماعة المهجرة مع بيئتها الجديدة، وطريقة تعاملها مع هويتها في ظل التأثيرات الرومانية، وربما أيضاً مع وجود سكان سامنيتين في المنطقة.
وكشف المسح المغناطيسي الذي غطى نحو خمسة هكتارات عن شبكة كثيفة من المباني المدفونة. حيث تشير الدراسات الأثرية إلى أن مساحة المستوطنة القصوى ربما بلغت حوالي 14 هكتار، على الرغم من أن مساحتها الأصلية لا تزال غير مؤكدة حتى الآن.
وتظهر الخريطة الجيوفيزيائية شوارع وأساسات وقنوات تصريف ومناطق صناعية محتملة وعدداً كبيراً من المباني. ولم يُعثر حتى الآن على أدلة على وجود أسوار دفاعية، ما قد يعني أن المستوطنة تطورت بوصفها مركزاً مفتوحاً لا مركزاً محصناً.
ويمتد أحد الشوارع الرئيسية من منطقة التنقيبات السابقة باتجاه الشمال الغربي لمسافة تزيد على 90 متراً. ويتوافق مساره بصورة وثيقة مع طريق تاريخي لانتقال قطعان الماشية باتجاه مدينة سايبينوم الرومانية. كما كان الشارع نفسه يعبر مركز المستوطنة، حيث تقع الحمامات والمتاجر والمعبد، ثم يتجه جنوباً شرقياً نحو منطقة بوليا.
كما وكشفت الحفريات عن مباني مستطيلة كبيرة تقع على جانبي الشارع، وهي تحتوي على تقسيمات داخلية تشبه منازل الأتريوم الرومانية الخاصة بالفئات الميسورة. وتشير هذه المنشآت إلى أن بعض سكان المستوطنة تمتعوا بثروة أو مكانة اجتماعية مرموقة.
وإلى الجنوب من منطقة التنقيبات السابقة، حدد الباحثون شارعاً آخر يمتد باتجاه بينيفينتوم (مدينة بنبنت) لأكثر من 140 متراً. ويبدو أن هذا الطريق يتقاطع مع مبنى مستطيل كبير يبلغ حجمه نحو 80 في 60 متراً.
وربما كان هذا المبنى مجمعاً عاماً أو سوقاً للماشية. حيث يشير موقعه فوق الطريق الرئيسي إلى أن الحركة داخل المستوطنة كانت موجهة عمداً نحو مركز اقتصادي وإداري.
وتشير الحمامات والمعبد والمتاجر والسوق المحتمل والمساكن الكبيرة إلى أن هذا المجتمع تطور في نهاية المطاف إلى مستوطنة شبه حضرية ومزدهرة. لا سيما أن موقعها بين سايبينوم وبينيفينتوم، اللتان تبعدان عن بعضهما مسافة يوم تقريباً، جعلها تقع على طريق مهم للسفر والتجارة والتنقل الموسمي للحيوانات.
ومن المرجح أن اختيار هذا الموقع كان استراتيجياً. فقد أتاح لروما توطين الليغوريين المرحلين في منطقة ذات قيمة اقتصادية، مع تعزيز السيطرة الرومانية على المناطق الداخلية من جنوبي إيطاليا.
ومع ذلك، تبقى العديد من الأسئلة من دون إجابة. فليس واضحاً حتى الآن ما إذا كان السكان السامنيتيون المحليون قد طُردوا قبل وصول الليغوريين، أم أن الجماعتين عاشتا جنباً إلى جنب. واللافت، أن العديد من التفسيرات السابقة اقترحت أن المنطقة كانت مهجورة، لكن إعادة تقييم التسلسل الزمني للفخار تستدعي إعادة النظر في هذا الاستنتاج.
وستبحث التنقيبات المستقبلية في التسلسل الزمني للمستوطنة ومساكنها وأنماط الغذاء والثقافة المادية والحياة اليومية. كما سيدرس الباحثون مدى استمرار الهوية الليغورية بعد الترحيل، وكيف تفاعلت مع التأثيرات الثقافية الرومانية والسامنيتية.
وبالنتيجة، توفر الاكتشافات في موقع ماكيا دي كيركيلو منظوراً أثرياً نادراً لحالة من الترحيل القسري تم توثيقها تاريخياً. كما توضح أن التوسع الإمبراطوري الروماني لم يعتمد على الغزو العسكري وحده، بل شمل أيضاً النقل المنظم لجماعات سكانية كاملة، ومن ثم إعادة تشكيل المشاهد الطبيعية والاقتصادية، وتلك المرتبطة بالهوية.
تاريخ النشر: 07-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Antiquity