- الأخبار الأثرية
-
مقذوفات رومانية تكشف هجوماً تاريخياً على حصن أمبلسايد في بريطانيا
تشير أبحاث أثرية جديدة إلى أن حصن أمبلسايد الروماني الواقع في منطقة البحيرات بإنجلترا تعرض لهجوم من قوة معادية، وأن جنود الحامية دافعوا عنه بإطلاق مقذوفات رصاصية من أسلحة المقلاع الموجودة في الحصن.
ويقع الحصن بالقرب من الشاطئ الشمالي لبحيرة ويندرمير في مقاطعة كمبريا، حيث كان يشغل موقعاً استراتيجياً على طريق روماني يربط بين بروغام وهاردنوت وميناء رافنغلاس. ويعتقد الباحثون أنه شُيد أولاً من الخشب والتراب في أواخر القرن الأول الميلادي، ثم أُعيد بناؤه بالحجر، ربما خلال حكم الإمبراطور هادريان.
وقد عُثر على مقذوفات رصاصية رومانية داخل الحصن وفي محيطه منذ أكثر من قرن. وعلى الرغم من أن مجموعات صغيرة من هذه المقذوفات قد تمثل ذخيرة مخزنة، إلا أن انتشارها على نطاق أوسع في المنطقة المحيطة قد يشير إلى استخدام هذه الأسلحة خلال مواجهة عسكرية فعلية.
وتفصيلاً، فقد تركزت الاكتشافات السابقة في أمبلسايد بصورة رئيسية في شمال الحصن وشرقه، وهما الجهتان الأكثر سهولة للوصول إلى الموقع. حيث عثر علماء الآثار على رأس مقذوف لمنجنيق، بينما أشارت الحفريات الأقدم إلى احتمال تعرض أجزاء من الحصن للدمار.
أما الأدلة الإضافية، فتأتي من شاهد قبر روماني اكتُشف على مسافة نحو 100 متر إلى الشرق من الحصن. حيث يحمل نقشاً يخلد ذكرى رجلين، أحدهما قائد مئة متقاعد والآخر كاتب عسكري. ويذكر النص أن أحدهما "قُتل داخل الحصن على يد الأعداء". ويشير استخدام الكلمة اللاتينية (hostibus) إلى مواجهة جرت مع قوة معادية منظمة، وليس مع لصوص أو قطاع طرق عاديين.
ولاختبار ما إذا كانت المقذوفات الرصاصية تعكس معركة حقيقية، نفذ الباحثون حملتين ميدانيتين عامي 2021 و2023. حيث استخدمت الحملة الأولى أجهزة كشف المعادن بصورة منهجية في المناطق الواقعة شمال الحصن وشرقه، وأسفرت عن تسجيل أكثر من ألف إشارة معدنية، من بينها نحو 250 إشارة يُحتمل أنها تعود إلى أجسام رصاصية.
وقد توزعت هذه الإشارات على شكل قوس حول الجهتين الشمالية والشرقية الأسهل وصولاً للحصن. وهو نمط يدعم احتمال إطلاق أعداد كبيرة من المقذوفات إلى الخارج من الأسوار والأبراج.
أما في حملة عام 2023، عاد الباحثون لفحص منطقة أصغر تقع شرق الحصن لكن بدقة أكبر. واختاروا 39 قطعة أثرية مدفونة من أجل عملية التنقيب، وذلك بناءً على الإشارات الواردة من أجهزة الكشف. وتبين لهم أن سبعاً من القطع كانت عبارة عن مقذوفات مقلاع رومانية مصنوعة من الرصاص، ما رفع العدد المعروف من حصن أمبلسايد ومحيطه من 23 إلى 30 مقذوفاً.
وقد عُثر على المقذوفات الجديدة ضمن المدى المحتمل لإطلاقها من الحصن. حيث كان بإمكان الرماة الرومان إطلاق المقذوفات الرصاصية لمسافات تتراوح بين 200 و250 متراً، وربما تمكن الجنود الأكثر خبرة من تجاوز هذه المسافة.
وتختلف المقذوفات في أشكالها. فبعضها يحمل الشكل البيضاوي ثنائي المخروط المرتبط عادة بالذخيرة العسكرية الرومانية، بينما تبدو أخرى غير منتظمة. ويرجح الباحثون أن النماذج الأقل إتقاناً ربما صُنعت بسرعة خلال فترة من الخطر أو وجود ضغط عسكري.
وتشير النتائج الأولية لتحليل النظائر إلى أن المقذوفات صُنعت من مصدرين مختلفين على الأقل من الرصاص. حيث تشبه إحدى المجموعات تلك المقذوفات المكتشفة في موقع بيرنسوارك هيل في اسكتلندا، والتي يرجح أنها تعود إلى القرن الثاني الميلادي. أما المجموعة الأخرى فتبدو أقل انتظاماً وربما صُنعت من مصدر مختلف لم يُحدد بعد.
كما يوحي التحليل بأن بعض المقذوفات صُنعت من رصاص كان متوافراً في أمبلسايد نفسها. وهذا يثير احتمال أن المدافعين أنتجوا الذخيرة محلياً، ربما استعداداً لأزمة أو أثناءها.
ولا يزال التاريخ الدقيق للهجوم غير معروف، مع أن شكل المقذوفات ومتوسط وزنها يشيران بقوة إلى القرن الثاني الميلادي. كما أن شاهد القبر المكتشف يمكن أن يعود أيضاً إلى أواخر القرن الثاني أو أوائل القرن الثالث، إلا أن الباحثين لا يستطيعون حتى الآن تأكيد ارتباط النقش وانتشار مقذوفات المقلاع بالحادث نفسه.
كما تبقى هوية المهاجمين مجهولة. فربما كانوا من جماعات محلية قاومت السلطة الرومانية، أو مقاتلين تحركوا جنوباً بعد عبور جدار هادريان. ومن المحتمل أيضاً أن يكون الحصن قد شهد أكثر من مواجهة عنيفة خلال فترة استخدامه الطويلة.
وعلى الرغم من هذه التساؤلات، تدعم الأدلة مجتمعة أن حصن أمبلسايد تعرض لهجوم خارجي مرة واحدة على الأقل. ويبدو أن الجنود الرومان دافعوا عنه بوابل من قذائف المقلاع الرصاصية، أُطلقت على الأرجح من الأسوار والأبراج.
وتكتسب تلك النتائج أهمية خاصة لأن الهجمات الموثقة أثرياً على الحصون الرومانية تعد مسألة نادرة، وفي الوقت نفسه، هي تؤكد أن ما جرى في حصن أمبلسايد يعد دليلاً هاماً على استمرار المقاومة العنيفة والمواجهات العسكرية جنوب جدار هادريان بعد فترة طويلة من الغزو الروماني الأول لبريطانيا.
تاريخ النشر: 05-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Britannia