- الأخبار الأثرية
-
مجتمعات الماضي واجهت المرض من خلال الرعاية والمعتقدات والشبكات الاجتماعية
تستعرض افتتاحية علمية جديدة مجموعة من الدراسات الحديثة في علم الآثار الحيوي، التي تبحث في كيفية تعامل مجتمعات الماضي مع المرض والإعاقة وحالات الضعف. وبدلاً من التركيز فقط على العلامات المرضية في البقايا والرفات البشرية، تتناول هذه الدراسات الأشخاص الذين حصلوا على الرعاية، وكيف نُظم الدعم، ومدى تأثير المكانة الاجتماعية والمعتقدات والبنية المجتمعية في النتائج الصحية.
لطالما أعاد علم الآثار الحيوي بناء صورة الصحة في الماضي من خلال الأدلة على المرض والإصابة والنظام الغذائي والإجهاد البدني والعنف. أما الدراسات التي تستعرضها المقالة فتوسع هذا المنظور من خلال فحص الاستجابات الاجتماعية المحيطة بهذه الحالات. حيث توضح أن صحة الأفراد في المجتمعات القديمة لم تتشكل نتيجة التعرض البيولوجي للمرض فحسب، بل تأثرت أيضاً بإمكانية الوصول إلى الموارد، والانتماء الاجتماعي، والدعم المؤسسي، والمواقف الثقافية تجاه الأفراد الأكثر ضعفاً.
وتبحث إحدى الدراسات في مقابر تعود إلى العصور الوسطى في الدنمارك، بهدف معرفة كيفية التعامل مع المصابين بالجذام والسل بعد الوفاة. وقد خلصت إلى أن الأدلة الأثرية لا تدعم وجود نمط بسيط من الإقصاء الشامل. فالمصابون بالجذام لم يُدفنوا دائماً بطريقة مختلفة في المقابر الريفية، بل أن غيابهم عن بعض المقابر الحضرية قد يكون مرتبطاً بوجود مؤسسات ومقابر خاصة بمرضى الجذام. كما لا يبدو أن مرض السل أدى إلى استجابة جنائزية مميزة، بل ربما كانت المكانة الاجتماعية أكثر تأثيراً في فرص البقاء وطريقة الدفن.
وتقارن دراسة أخرى بين سكان الريف والمدن في هولندا خلال أوائل العصر الحديث. فعلى الرغم من ارتفاع معدلات بعض الحالات المرضية بينهم، يبدو أن سكان الريف عاشوا لفترات أطول من سكان المدن. وتشير النتائج إلى أن شبكات الرعاية المحلية والأسرية ربما قدمت في بعض الأحيان دعماً أكثر فاعلية وطابعاً شخصياً من المؤسسات الحضرية الرسمية. وفي الوقت نفسه، عانى ذوو المكانة الاجتماعية المتدنية في المناطق الحضرية من انخفاض متوسط العمر المتوقع، مما يبرز أثر التفاوت الاجتماعي والاقتصادي.
كما تتناول المقالة تجارب الأفراد المخصيين في عدد من المجتمعات التاريخية. فقد شغلت هذه الفئات مواقع متناقضة، إذ أدت أدواراً مهمة بوصفها حراساً أو موظفين أو مغنين، لكنها تعرضت أيضاً للأذى الجسدي والتهميش وضعف الرعاية الطبية. وفي بعض الحالات، أنشأ هؤلاء الأفراد شبكات خاصة للدعم المتبادل، وتأمين فرص الدفن، والحصول على الحماية الدينية أو المؤسسية.
وكان للمعتقدات الدينية والممارسات الثقافية دور أيضاً في تشكيل الصحة المجتمعية. إذ تشير دراسة عن مجتمعات مسيحية وإسلامية في البرتغال خلال العصور الوسطى إلى أن الاختلافات في أمراض الأسنان ربما لم ترتبط بالنظام الغذائي وحده، بل تأثرت أيضاً بممارسات النظافة المستندة إلى المعتقدات الدينية والثقافية. ويوضح ذلك كيف يمكن للأفكار المتعلقة بالنظافة والجسد أن تترك آثاراً صحية قابلة للرصد في البقايا البشرية.
وتُظهر الدراسات مجتمعة أن الرعاية لم تكن متاحة بالتساوي، ولم تُنظم بالطريقة نفسها في جميع المجتمعات القديمة. فقد اعتمدت الاستجابة للمرض على كل من العادات المحلية والعلاقات العائلية والمجتمعية والتدرج الاجتماعي والثروة والقيم الدينية والمؤسسات القائمة. وكان الدعم يأتي أحياناً من الأسرة أو المؤسسات الدينية أو المرافق المتخصصة، وأحياناً أخرى من شبكات أنشأتها الفئات المهمشة بنفسها.
وتؤكد المقالة ضرورة أن تتجاوز دراسة الصحة المجتمعية مجرد السؤال عن الأشخاص الذين أصيبوا بالمرض، لتشمل النظر في من تلقى الرعاية، وكيف قُدمت له، ولأي أسباب. فمن خلال الجمع بين الأدلة العظمية وأنماط الدفن والسجلات التاريخية والتحليل المكاني والتفسير الثقافي، يمكن للباحثين الوصول إلى فهم أكثر تفصيلاً للمرونة والتفاوت والمسؤولية الاجتماعية في الماضي.
وفي الختام، تقدم الافتتاحية الصحة بوصفها تجربة بيولوجية واجتماعية في آن واحد. فالآثار الجسدية المحفوظة في البقايا البشرية لا تكشف عن المرض والإصابة فقط، بل قد تكشف أيضاً أنظمة الرعاية، أو أوجه القصور فيها، وغيرها من العوامل التي أثرت في حياة الأفراد وتركت بصمتها على المجتمعات القديمة.
تاريخ النشر: 02-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية