- الأخبار الأثرية
-
العصيدة والهوية في تاريخ المطبخ الإفريقي
تستكشف دراسة جديدة التاريخ العريق لأطباق العصيدة في جنوب وسط أفريقيا، مؤكدةً على ضرورة فهم هذا التقليد الغذائي ليس باعتباره وسيلة للعيش فحسب، بل أيضاً كتعبير ثقافي يتشكل بفعل البيئة والذوق والتكنولوجيا والهوية الاجتماعية.
وتركز الدراسة على فكرة "العصيدة والقدر"، وهي تقليد غذائي واسع الانتشار في أجزاء كثيرة من إفريقيا. ففي زامبيا مثلاً، يُعد طبق "نشيما" مثالاً معروفاً على ذلك، وهو عبارة عن عصيدة سميكة غنية بالنشاء، تُؤكل عادةً مع صلصة مصنوعة من الخضراوات أو الفول السوداني أو السمك أو اللحم أو غيرها من المكونات. كما وتظهر عدة أطباق مماثلة في أنحاء القارة بأسماء مختلفة وبمكونات متنوعة.
ويرى الباحثون أن أهمية العصيدة لا ترتبط فقط بالمحصول المستخدم في إعدادها، بل أيضاً بشكلها وقوامها ومعناها الاجتماعي. فبينما تهيمن الذرة في أجزاء واسعة من جنوب وسط إفريقيا، إلا أن العصائد الأقدم كانت تُصنع من محاصيل مثل الذرة الرفيعة والدخن اللؤلؤي والدخن الإصبعي. وفي بعض المناطق، ربما ساهمت النباتات البرية ونبات اليام والفواكه والحشرات والحليب ومكونات أخرى في إعداد أطعمة شبيهة بالعصيدة.
واللافت، أن الدراسة تشكك بالفكرة البسيطة القائلة إن مطبخ العصيدة وصل كاملاً مع انتشار المجتمعات الزراعية الناطقة بلغات البانتو، وما يسمى بحزمة العصر الحديدي، التي تشتمل على صناعة الفخار والحديد والاستيطان وزراعة الحبوب. وبدلاً من ذلك، تقترح الدراسة أن الأمر كان عملية أكثر تدرجاً وتنوعاً، حيث تطورت الفخاريات والحبوب والنباتات المحلية وتقنيات الغلي والتفضيلات الثقافية بطرق مختلفة من منطقة إلى أخرى.
كما لعبت البيئة دوراً رئيسياً في تشكيل هذه التقاليد الغذائية. حيث تقارن الدراسة بين مناطق بيئية إفريقية مختلفة، خصوصاً المنطقة الغينية الكونغولية الأكثر رطوبة، ومناطق الزامبيزي والميومبو الأكثر جفافاً. فهذه البيئات وفرت نباتات وفرصاً زراعية مختلفة، مما أثر في تفضيل المجتمعات للمحاصيل الدرنية أو الحبوب أو الفواكه البرية أو غيرها من الأغذية النشوية.
كما تبرز الدراسة أهمية الاستبدال الغذائي. فقد كان من الممكن تبني مكونات جديدة عندما تتناسب مع تفضيلات الطعام السائدة، خصوصاً إذا أمكن تحويلها إلى قوام مألوف للعصيدة. وهذا ما قد يفسر الأهمية الكبيرة التي اكتسبتها محاصيل لاحقة كالذرة والكسافا، إذ كان بإمكانها أن تحل محل المكونات الأقدم أو تكملها مع الحفاظ على الشكل الأساسي للوجبة.
وفي الوقت نفسه، ظل الطعام علامة على الهوية المحلية. حيث تشير الدراسة إلى أن المجتمعات قد تميز نفسها من خلال الحبوب المفضلة والإضافات النباتية البرية، إلى جانب الذوق والقوام وطرق الطبخ. وبهذا المعنى، لم تكن العصيدة تقليداً غذائياً موحداً، بل مطبخاً مرناً تشكل بفعل الممارسات المشتركة والاختلافات المحلية.
وتشير الدراسة أيضاً إلى وجود تحديات أثرية مهمة. فمن الصعب التعرف على العصيدة مباشرة في السجل الأثري، خاصةً لأن العديد من بقايا النباتات لا تُحفظ جيداً في التربة الأفريقية. إلا أن كلاً من الفخار وأحجار الطحن والبذور المتفحمة وبقايا الطعام والمعرفة الشعبية بالنباتات يمكنها أن تساعد في ذلك، لكن الحاجة لا تزال قائمة إلى مزيد من الأبحاث لفهم التاريخ العميق للمطبخ الإفريقي.
والأهم، أن الدراسة تقدم العصيدة بوصفها تراثاً حياً ذا جذور أثرية عميقة. وترى أن تاريخ هذا المطبخ يعكس استمرارية ثقافية وتكيفاً بيئياً طويل الأمد، وتغيراً لافتاً في اختيارات المكونات عبر جنوب وسط إفريقيا.
تاريخ النشر: 14-06-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية