- الأخبار الأثرية
-
أدلة جديدة تشكك في مهارات الصيد المنسوبة إلى إنسان فلوريس
تشكك دراسة جديدة في علم تاريخ الأحافير، أُجريت في كهف ليانغ بوا بجزيرة فلوريس الإندونيسية، في الادعاءات السابقة التي تُشير إلى أن إنسان فلوريس كان يصطاد الحيوانات الكبيرة ويتحكم في استخدام النار.
منذ اكتشافه، ارتبط إنسان فلوريس، وهو نوع بشري قصير القامة وصغير الدماغ يُعرف أحياناً باسم "الهوبيت"، بسلوكيات بدت متقدمة ومثيرة للدهشة. حيث فسر الباحثون الأدوات الحجرية التي عُثر عليها في كهف ليانغ، إلى جانب بقايا الفيلة القزمة والعظام التي قيل إنها تعرضت للحرق، بوصفها أدلة على أن هذا الإنسان كان يصطاد الطرائد الكبيرة ويستخدم النار.
إلا أن الدراسة الجديدة أعادت فحص آلاف العظام الحيوانية من طبقات الكهف المرتبطة بإنسان فلوريس، والتي يعود تاريخها إلى الفترة بين نحو 190 و50 ألف سنة مضت. حيث ركز الباحثون بصورة خاصة على بقايا حيوان ستيغودون فلورينسيس إنسولاريس، وهو نوع قزم من أقارب الفيلة، وقارنوا العلامات الموجودة على عظامه بعلامات القطع التي تم إنتاجها تجريبياً وأيضاً علامات أسنان تنين كومودو.
ولتحديد الأضرار المميزة التي تتركها تنانين كومودو، أجرى الفريق تجربة تغذية مضبوطة باستخدام جثة ماعز. وبعد ذلك، جرى تحليل آثار الأسنان الناتجة بصورة ثلاثية الأبعاد، ومقارنتها بالعلامات الموجودة على عظام حيوان ستيغودون، أي الفيلة القزمة القديمة.
ثم فحصت الدراسة 3155 قطعة عظمية من حيوان ستيغودون، تمثل نحو 27 في المئة من التجمع المعروف. وحدد الباحثون 54 علامة قطع على 20 عظمة، وهو ما أكد لهم أن إنسان فلوريس قام بتقطيع واستهلاك أفراد بالغة وصغيرة السن من هذه الحيوانات.
لكن اللافت في الأمر، هو أن توزيع العلامات لا يدعم فكرة أن هؤلاء البشر كانوا يصطادون تلك الحيوانات بصورة منتظمة. فقد تركزت آثار أسنان تنانين كومودو على العظام التي تحمل كميات أكبر من اللحم، في حين ظهرت علامات القطع التي صنعها إنسان فلوريس بصورة رئيسية على الأجزاء من الجسم ذات القيمة الغذائية أقل نسبياً.
ويشير هذا النمط إلى أن تنانين كومودو كانت تصل إلى الجيف أولاً وتستهلك الأجزاء الأعلى قيمة. أما إنسان فلوريس، فربما وصل لاحقاً واقتات على البقايا، مستخرجاً كميات محدودة من اللحم من العظام التي تركتها الزواحف.
ولم يعثر الباحثون على أية إصابات ناتجة عن مقذوفات أو أضرار ناجمة عن صدمات على عظام حيوان الستيغودون. كما لا توجد أدلة على امتلاك إنسان فلوريس تقنيات رمي ومقذوفات قادرة على قتل حيوانات بهذا الحجم. لا سيما أن صيد حيوان بالغ أو صغير من الستيغودون دون أية أسلحة بعيدة المدى كان سيشكل خطراً كبيراً، خاصة في بيئة عاشت فيها أيضاً تنانين كومودو.
وبشكل عام، تدعم بقايا الهياكل العظمية فرضية الاقتيات والتغذي على الجيف. حيث كانت عظام الأطراف ذات القيمة الغذائية المرتفعة نادرة بين بقايا الحيوانات الصغيرة، بينما وُجدت عظام الأطراف البعيدة التي غالباً ما تبقى بعد تغذي المفترسات، وكانت تحمل علامات قطع. ويرى الباحثون أنه ربما ابتلعت تنانين كومودو بعض الأجزاء المهمة أو حملتها إلى مكان آخر لاستهلاكها.
كما بحثت الدراسة في ادعاءات سابقة بأن إنسان فلوريس استخدم النار. حيث فحص الباحثون جميع عظام حيوانات ستيغودون التي تم أخذ عينات منها، وعددها 3155 عظمة، بالإضافة إلى آلاف بقايا القوارض من طبقات الكهوف المرتبطة بشكل منفصل بإنسان فلوريس وبالإنسان العاقل. وأظهرت قطعة واحدة فقط من عظام حيوان الستيغودون علامات حرق، لكن في الواقع عُثر على تلك القطعة قرب منطقة فاصلة بين طبقتين انكشفت فيها رواسب قديمة أسفل طبقات أحدث بكثير ارتبطت بالإنسان العاقل. ولذلك يرى الباحثون أن هذه العظمة ربما احترقت في فترة لاحقة، بعد أن بدأ الإنسان العاقل بإشعال النيران داخل الكهف.
وكان الفرق واضحاً بصورة خاصة في بقايا القوارض. فلم تُظهر أي من العظام البالغ عددها 4240 والآتية من الطبقات المرتبطة بإنسان فلوريس أية آثار على عملية الحرق. وبالمقابل، احترق ما يقرب من 20% من بقايا القوارض التي عُثر عليها في الطبقات الأحدث المرتبطة بالإنسان العاقل.
وتشير هذه النتائج إلى أن التحكم في النار لم يكن جزءاً من التقنيات المعروفة لإنسان فلوريس في كهف ليانغ بوا. ولذلك، فمن المحتمل أنه كان يأكل اللحوم النيئة التي يحصل عليها مباشرة من جيف حيوانات ستيغودون.
ولا تعني الدراسة أن إنسان فلوريس كان يفتقر إلى القدرات التقنية. فقد صنع الأدوات الحجرية وتعامل بوضوح مع بقايا الحيوانات. إلا أن الأدلة تشير إلى نطاق سلوكي أضيق مما كان يُعتقد سابقاً، حيث اقتصر الأمر على البحث عن الجيف بدلاً من الصيد المنظم للحيوانات الكبيرة، مع غياب أي دليل مؤكد على استخدام النار.
واللافت، أن الدراسة تقدم تصوراً أكثر دقة للحياة في كهف ليانغ بوا. لأنها تشير بوضوح إلى أن إنسان فلوريس كان يتقاسم البيئة ومواردها الحيوانية مع تنانين كومودو، مستفيداً من بقايا الجيف بعد أن تكون تلك الزواحف قد استهلكت أجزاءها ذات القيمة الغذائية الأعلى.
تاريخ النشر: 05-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Science Advances