- الأخبار الأثرية
-
العلم يعيد بناء الشهور الأخيرة لأطفال قُدموا قرابين عند الإنكا
تقدم دراسة جديدة أدلة مهمة حول طقوس الكاباكوشا، أحد أقوى الطقوس وأكثرها ارتباطاً بالسلطة السياسية في إمبراطورية الإنكا.
كانت كاباكوشا طقساً رسمياً يجمع بين الحج والتقدمة والتضحية. حيث كان يتم اختيار الأطفال والشباب، ونقلهم عبر أرجاء الإمبراطورية، ثم تقديمهم كقرابين في مزارات جبلية مقدسة تُعرف باسم "الأبو" أو "أبوس". حيث إنه وفي معتقدات الإنكا، لم تكن هذه الجبال مجرد معالم طبيعية، بل كائنات مقدسة وأسلافاً وقوى مؤثرة في الطبيعة.
وتتناول الدراسة ثلاثة أفراد من موقعين مختلفين لطقوس كاباكوشا في تشيلي. اثنان منهم فتاتان من سيرو إزميرالدا في صحراء أتاكاما الساحلية شمال تشيلي. الأولى فتاة تبلغ من العمر حوالي 9 سنوات، والثانية شابة تبلغ من العمر حوالي 18 عاماً. أما الثالث فهو الطفل الشهير نينيو دي إل بلومو، وهو صبي يبلغ من العمر حوالي 8 سنوات، عُثر عليه على ارتفاع شاهق في جبل سيرو إل بلومو بوسط تشيلي.
وقد استخدم الباحثون طيفاً واسعاً من الأساليب والتقنيات، بما في ذلك تحليل النظائر المستقرة للشعر، والتصوير المقطعي المحوسب، وفحص الجلد باستخدام المنظار، وذلك إلى جانب تحليل أنسجة الجلد، والنمذجة البيوميكانيكية، والتأريخ بالكربون المشع. وقد مكّنتهم هذه الأساليب من إعادة بناء جوانب من الشهور الأخيرة من حياة الأفراد، وتنقلهم عبر بيئات مختلفة، والآليات المحتملة للوفاة.
وقد قدم التحليل التسلسلي للنظائر في الشعر دليلاً مهماً على طقوس الحج. فالشعر ينمو تدريجياً، ولذلك فإن تركيبه الكيميائي يُمكن أن يحفظ سجلاً شهرياً للنظام الغذائي والبيئة قبل الوفاة. وقد أظهرت النتائج تغيرات في القيم النظائرية لدى الأفراد الثلاثة خلال الشهور الأخيرة من حياتهم، مما يشير إلى تنقل مستمر عبر مناطق بيئية مختلفة.
وتفصيلاً، فقد اتبعت الفتاتان من سيرو إزميرالدا مسارين حياتيين مختلفين، لكنهما تبدوان كأنهما اقتربتا من نمط مشترك في المرحلة الأخيرة من الطقس. وتشير قيمهما النظائرية إلى وجود تغيرات في الغذاء والحركة، منها زيادة استهلاك الذرة أو أطعمة أخرى وفرتها شبكات الإنكا. أما في الفترة الأخيرة قبل الوفاة، أصبحت مؤشراتهما الغذائية أكثر تشابهاً، مما يشير إلى تزويدهما بنظام غذائي مشترك خلال المرحلة النهائية من الطقس.
أما طفل إل بلومو، فقد أظهر نمطاً مختلفاً لكنه لا يقل أهمية عن الفتاتين. حيث تشير سجلاته النظائرية إلى تنقلات مطولة عبر مناطق متعددة، ربما شملت مساراً جنوبياً من صحراء أتاكاما باتجاه وسط تشيلي. واللافت، أن الأدلة الجسدية تدعم هذا التفسير، إذ أظهرت باطن قدميه سماكة ملحوظة تتوافق مع إجهاد ميكانيكي متكرر، وهو ما قد يشير إلى المشي لمسافات طويلة.
وتوفر هذه النتائج مجتمعة دليلاً مباشراً على أن الحج في طقس كاباكوشا لم يكن فكرة رمزية فقط، بل كان تجربة جسدية فعلية. فقد نُقل الأفراد المختارون عبر الإمبراطورية، ومروا بمناظر طبيعية ومجتمعات ومسارات طقوسية قبل الوصول إلى المزارات الجبلية النهائية.
كما تعيد الدراسة تقييم تفسيرات سابقة حول كيفية وفاة هؤلاء الأفراد. فبالنسبة إلى فتاتي سيرو إزميرالدا، أشارت أبحاث سابقة إلى احتمال الخنق بناءً على علامات على الرقبة. لكن التصوير المقطعي والفحص الخارجي الجديدين لم يكشفا عن كسر أو انزياح في عظم اللامي، كما أن العلامات تبدو أكثر توافقاً مع ضغط ناتج عن الأقمشة أو الملابس. ونظراً لتغير شكل الجثث بعد انتشالها وأثناء عمليات التشريح اللاحقة، لا تزال الأسباب الدقيقة للوفاة غير مؤكدة.
أما حالة طفل إل بلومو فمختلفة. فقد أشارت تفسيرات سابقة إلى أنه ربما قد توفي نتيجة انخفاض حرارة الجسم أو التعرض للبرد على ارتفاع كبير. لكن الدراسة الجديدة تشكك في هذا الرأي، إذ لم تُظهر تحليلات الجلد والأنسجة أي دليل على إصابة ناتجة عن التجمد أو تلف في الأنسجة بسبب البرد.
وبدلاً من ذلك، كشف التصوير المقطعي عن كسر حدث قرب وقت الوفاة في العظم الجبهي الأيسر، ويتطابق موضعه مع آفة جلدية خارجية. كما وارتبطت الإصابة بانفصال رضّي على طول دروز الجمجمة. وأظهرت النمذجة الميكانيكية الحيوية أن ضربة قوية بأداة غير حادة يمكن أن تكون قد أحدثت هذا النمط من الضرر.
ويقترح الباحثون أن الإصابة يمكن أن تتوافق مع ضربة قريبة المدى بأداة غير حادة صغيرة، ربما رأس دبوس حربي أو هراوة للإنكا نجمية الشكل. ولا يعني ذلك أن جميع وفيات الكاباكوشا حدثت بالطريقة نفسها، لكنه يبين أن العنف المتعمد كان جزءاً من بعض هذه التضحيات على الأقل.
وتشير أدلة إضافية إلى أن طفل إل بلومو تناول الطعام قبل وفاته بوقت قصير. فقد أظهر التصوير المقطعي وجود طعام في المعدة واتساعاً في المريء، كما لوحظت بقايا طعام على الملابس. ويفسر الباحثون ذلك بوصفه دليلاً على عملية إطعام مرتبطة بالطقوس أعقبها تقيؤ قرب وقت الوفاة، ربما بسبب الرضّ القحفي وإصابة الجمجمة والانهيار الفيزيولوجي السريع.
ويُشير التأريخ بالكربون المشع إلى أن تضحيتي سيرو إزميرالدا وإل بلومو تعودان تقريباً إلى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي. وهذا يضعهما ضمن فترة توسع وتوطيد إمبراطورية الإنكا في كولاسويو، وهي المنطقة الجنوبية من الإمبراطورية. كما تتداخل هذه التواريخ مع سياقات أخرى لطقوس كاباكوشا معروفة في جنوب وسط جبال الأنديز.
وتُظهر النتائج أن الكاباكوشا لم تكن ممارسة موحدة وبسيطة. فقد اشتملت على التنقل، والإطعام المُنظم حسب المراحل، ومشاركة المجتمعات المحلية، والتموين والتزويد الإمبراطوري للغذاء، إلى جانب آليات الموت المختلفة المحتملة. فهذه الطقوس ربطت الأطفال والمجتمعات والجبال المقدسة وسلطة الدولة كلها ضمن نطاق إمبراطوري شاسع.
وهكذا، تقدم الدراسة طقس الكاباكوشا بوصفه احتفالاً دينياً وأداة من أدوات الحكم الإمبراطوري في الوقت نفسه. فمن خلال طقوس الحج والتضحية، نجحت إمبراطورية الإنكا بدمج المجتمعات البعيدة في نظامها السياسي والديني، كما وحولت الأجساد البشرية إلى قرابين ذات قيمة عظيمة في منطقة تاوانتينسويو.
تاريخ النشر: 17-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: Science Advances