- الأخبار الأثرية
-
بذور متفحمة تكشف أسرار الزراعة في مستوطنة مجرية عمرها 6,500 عام
تناولت دراسة نباتية أثرية حديثة الكيفة التي تمكن من خلالها مزارعو أواخر العصر الحجري الحديث من تأمين المتطلبات الغذائية لأحد أقدم المراكز السكانية في جنوب شرق أوروبا. حيث سلطت الدراسة الضوء على مستوطنة بيريتيويفالو-هيربالي في شرقي هنغاريا، حيث حفظت آلاف البقايا النباتية المتفحمة داخل منازل محترقة تعود إلى منتصف الألفية الخامسة قبل الميلاد.
وقد قامت الدراسة بتحليل أكثر من 33,000 بقايا نباتية متفحمة من تسعة منازل تعود إلى نفس الفترة تقريباً. حيث حُفظت هذه البقايا ضمن طبقة احتراق كبيرة، مما أتاح للباحثين فرصة نادرة لمقارنة المحاصيل المخزنة واستراتيجيات الزراعة على مستوى كل منزل.
ويقع موقع هربالي في السهل المجري الكبير، ضمن بيئة رطبة تشكلت بفعل نهر بيريتيو. وعلى الرغم من أن المنطقة كانت غنية بالموارد الطبيعية، إلا أن الأراضي الصالحة للزراعة كانت محدودة بسبب المستنقعات والفيضانات وضعف تصريف التربة. ومع توسع المستوطنات في أواخر العصر الحجري الحديث، توجّب على المزارعين إيجاد طرق لإنتاج ما يكفي من الغذاء، جنباً إلى جنب مع إدارة موارد الأرض والعمل والماشية.
وكانت المحاصيل الرئيسية في مستوطنة هربالي تتألف من القمح ثنائي الحبة، والشعير، والقمح أحادي الحبة، والبازلاء، والعدس. وكان القمح ثنائي الحبة أكثر الحبوب حضوراً، تلاه الشعير ثم القمح أحادي الحبة (القمح البري). وتشير معظم البقايا النباتية إلى حبوب منظفة ومخزنة، وليس إلى نفايات أو مخلفات ناتجة عن معالجة المحاصيل.
ولإعادة بناء الممارسات الزراعية القديمة، جمع الباحثون بين عدة طرق. فقد درسوا بيئة الأعشاب المرافقة للمحاصيل لفهم ظروف الحقول ومستوى العمل المبذول فيها، وقاسوا أحجام الحبوب، وحللوا نظائر الكربون والنيتروجين في الحبوب المنفردة. وساعدت هذه الطرق في تحديد الفروق في قضايا توفر المياه وخصوبة التربة، إلى جانب استخدام السماد وإدارة المحاصيل.
وأظهرت النتائج أن كلاً من القمح ثنائي الحبة والقمح أحادي الحبة كانا قد زُرعا في ظروف مكثفة نسبياً. فالقيم المرتفعة لنظائر النيتروجين تشير إلى استخدام مستمر للسماد الحيواني، مما يدل على أن الأسر كانت كانت تتمتع بإمكانية الوصول الواسع إلى موارد روث الماشية. أي أن روث الماشية كان على الأرجح جزءاً مهماً من إنتاج المحاصيل، وأن إمكانية الوصول إلى هذا المورد لم تكن مقتصرة على عدد قليل من الأسر.
أما الشعير فيبدو أنه أُدير بطريقة مختلفة. حيث تشير قيم النيتروجين الأقل، إضافة إلى تجمعات الأعشاب الضارة المرتبطة به، إلى أنه زُرع في ظروف تتطلب تدخلات أقل، وربما في حقول أكثر رطوبة أو أبعد أو أقل عناية. وهذا يدل على نظام زراعي مختلط، حصلت فيه محاصيل القمح على العناية الأكبر، بينما استُخدم الشعير كمحصول أكثر مرونة في المناطق الأقل مثالية.
كما وجدت الدراسة أدلة على الزراعة المختلطة للقمح ثنائي الحبة والقمح أحادي الحبة، وهي ممارسة تُعرف بالزراعة المترافقة. حيث ربما ساعدت هذه الممارسة الأسر على تقليل المخاطر في بيئة الأراضي الرطبة التي يمكن أن تتغير فيها مستويات المياه وظروف التربة ونتائج الحصاد بشكل سريع. فزراعة نوعين من القمح معاً قد توفر نتائج أكثر استقراراً بكثير من مجرد الاعتماد على محصول واحد فقط.
كما وأشارت الدراسة إلى وجود بعض الفروق بين المنازل من ناحية حجم البذور وقيم النظائر. وهو ما قد يعكس تفاوتاً على مستوى الأسر في إمكانية الوصول إلى العمل أو الأرض أو الماشية. ومع ذلك، لم تجد الدراسة دليلاً قوياً على وجود تفاوت كبير في المحاصيل المخزنة. وبدلاً من ذلك، تشير الأدلة إلى أن التعاون وتقاسم الموارد ساهما في الحد من تطور حالات عدم المساواة أو التفاوتات الزراعية الدائمة.
ويرى الباحثون أن النتائج القادمة من مستوطنة هربالي تشير إلى أن المزارعين في أواخر العصر الحجري الحديث حافظوا على عمليات الزراعة المكثفة، مع تجربة استراتيجيات أقل كثافة لبعض المحاصيل والحقول. ومن هنا، فإن المستوطنة تقدم مثالاً هاماً على كيفية تكيف المجتمعات الزراعية المبكرة مع النمو السكاني والقيود البيئية واحتياجات الأسر، ومن دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى ظهور الفوارق الاجتماعية الكبيرة.
تاريخ النشر: 20-06-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية