- الأخبار الأثرية
-
الهياكل العظمية تعيد كتابة قصة النوبة في العصور الوسطى
تؤكد مقالة رأي بحثية جديدة أن علم الآثار الحيوي بدأ يؤدي دوراً متزايد الأهمية في تغيير طريقة فهم الباحثين لمنطقة النوبة في العصور الوسطى، وذلك من خلال تقديم صورة أكثر تفصيلاً عن مجتمعات طالما وُصفت بأنها متجانسة ثقافياً واجتماعياً.
لقد ازدهرت النوبة في العصور الوسطى تقريباً بين القرنين السادس والخامس عشر الميلاديين، وغالباً ما تُوصف بوصفها حضارة مسيحية امتدت على طول النيل الأوسط، من النوبة السفلى إلى منطقة الخرطوم الحالية. وقد تعززت هذه الصورة من خلال وجود ممالك مسيحية ومؤسسات دينية مشتركة، إلى جانب عادات الدفن التي تبدو متشابهة نسبياً في مناطق واسعة من وادي النيل.
لكن المقالة تشير إلى أن هذا التجانس الظاهري ينبغي التعامل معه بحذر. فبينما تبدو العمارة الجنائزية وممارسات الدفن متقاربة من منطقة إلى أخرى، تكشف البقايا البشرية صورة أكثر تنوعاً وتعقيداً. فمن خلال دراسة العظام والأسنان والنظائر وأنماط المرض وآثار النشاط البدني، يوفر علم الآثار الحيوي أدلة مباشرة على جوانب من الحياة اليومية التي عاشتها مجتمعات النوبة في العصور الوسطى، وهي جوانب لا تظهر دائماً بوضوح في النصوص أو العمارة أو أشكال الدفن.
وتفصيلاً، فقد أظهرت دراسات النظائر وجود تباين في النظام الغذائي والتنقل داخل المنطقة. فعلى الرغم من استمرار العديد من المجتمعات في الاعتماد على محاصيل مثل الذرة الرفيعة والدخن، تشير الأدلة أيضاً إلى وجود تحولات غذائية موسمية، وفروق في الوصول إلى الموارد، وأنماط حركة محلية وإقليمية أكثر تنوعاً مما اقترحته التفسيرات القديمة القائمة على فكرة الهجرات الكبرى. ففي مواقع مثل دير الغزالي وسوبا في السودان، تشير بيانات النظائر إلى استمرارية سكانية، مع وجود اندماج تدريجي لأفراد قادمين من مناطق مختلفة.
كما تضيف الأدلة العظمية مزيداً من التوازن إلى فهم المجتمع النوبي. فآثار الإصابات والأمراض التنكسية والعدوى والإجهاد البدني تكشف فروقاً في الصحة والعمل والحياة اليومية. كما أن بعض الأفراد عاشوا بعد إصابات خطيرة أو حالات مزمنة، وهو ما قد يشير إلى وجود أشكال من الرعاية والدعم داخل مجتمعاتهم. ولا تساهم هذه النتائج في إعادة بناء أنماط المرض والعمل فحسب، بل تساعد أيضاً في فهم العلاقات الاجتماعية التي سمحت للأفراد بالتعايش مع الإعاقة أو الإصابة أو المرض المزمن.
وتسلط المقالة الضوء أيضاً على الوشم بوصفه شكلاً مهماً من أشكال الهوية الجسدية في النوبة. فقد كشفت تقنيات التصوير الحديثة لبقايا بشرية محفوظة طبيعياً عن رموز مسيحية وتصاميم أخرى للوشم على أفراد من سياقات نوبية تعود إلى العصور الوسطى. وتوضح هذه العلامات أن الجسد نفسه كان يمكن أن يكون وسيلة للتعبير عن الإيمان والحماية والهوية والانتماء الاجتماعي، مع ضرورة الانتباه إلى أن معاني هذه العلامات قد تختلف بحسب السياق.
وفي الوقت نفسه، تدعو المقالة إلى اتباع نهج أكثر أخلاقية وتفحصاً عند إجراء أبحاث الآثار الحيوية في منطقة النوبة. فقد تأثرت الدراسات السابقة بممارسات جمع تعود إلى الحقبة الاستعمارية، إلى جانب نماذج التصنيف العرقي، كما أُزيلت كثير من البقايا البشرية من سياقاتها الأصلية أو تفرقت بين مجموعات متحفية مختلفة. وتشدد المقالة على أن الأبحاث المستقبلية يجب أن تعطي الأولوية للتعاون مع الباحثين السودانيين، والحرص على صيانة الرفات والبقايا البشرية، وتقديم مبررات واضحة قبل التنقيب في مواقع دفن إضافية.
وهكذا، فإن المقالة لا تنفي أهمية المسيحية والممالك والتقاليد المشتركة في تاريخ النوبة في العصور الوسطى، لكنها تدعو إلى موازنة هذه الصورة العامة مع الأدلة التي تكشف عن التنوع الإقليمي والاجتماعي، وعن الاختلافات في التنقل والعمل والصحة والمعتقدات والتجارب الفردية. ومن هذا المنظور، فإن علم الآثار الحيوي لا يضيف تفاصيل جديدة إلى السرد الأثري فحسب، بل يساعد أيضاً على إعادة صياغته من خلال استعادة حياة وأجساد وتجارب الأشخاص الذين يقفون وراء التصنيفات التاريخية العامة.
تاريخ النشر: 27-06-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية