- الأخبار الأثرية
-
موقع أثري قديم لإنتاج الملح قرب روما يحظى بتأريخ أكثر دقة
توضح دراسة جديدة أن التأريخ المغناطيسي الأثري يمكن أن يساعد في تحسين التسلسل الزمني للمواقع الأثرية التي يصعب تأريخها بالكربون المشع، وذلك من خلال دراسة موقع بيسكينا تورتا القديم لإنتاج الملح قرب روما.
يقع موقع بيسكينا تورتا (Piscina Torta) قرب الساحل الأوسط للبحر التيراني في إيطاليا، وهو يمتد على مساحة لا تقل عن 20 هكتاراً. ينتمي الموقع إلى مجموعة أوسع من المستوطنات المتخصصة التي يُعتقد أنها مراكز لإنتاج الملح القديم، حيث كانت المياه المالحة تُسخن وتُبخر داخل جرار فخارية كبيرة وذات جدران سميكة بهدف إنتاج الملح.
ومنذ عام 2022، ركزت التنقيبات في بيسكينا تورتا على فهم أنشطة الإنتاج في الموقع وتسلسله الزمني. حيث تتناول الدراسة الجديدة مواد من المنطقة 1، حيث عثر علماء الآثار هناك على فرن وطبقات عميقة من الرواسب وكسر فخارية، إلى جانب أدلة مرتبطة بأنشطة معالجة الملح.
وقد كان تحديد تاريخ الموقع صعباً لسببين رئيسيين. يكمن الأول في أن معظم التجمع الفخاري يتألف من جرار خشنة لم تتغير أشكالها كثيراً عبر الزمن، ولذلك يصعب تأريخها بدقة بالاعتماد على المقارنة الشكلية وحدها. أما السبب الثاني، فهو أن فترة استخدام الموقع تقع ضمن ما يُعرف باسم هضبة هالشتات (Hallstatt plateau)، وهي تسمية اصطلاحية لجزء شبه مسطح من منحنى معايرة الكربون المشع بين نحو 800 و400 قبل الميلاد. وخلال هذه الفترة، قد تعطي القياسات الدقيقة بالكربون المشع نطاقات زمنية واسعة أو متعددة الاحتمالات، لأن قيماً متقاربة من الكربون المشع يمكن أن تقابل تواريخ تقويمية مختلفة. ولهذا السبب، تُعد هذه الفترة من أكثر الفترات إشكالية في التأريخ بالكربون المشع خلال الألفية الأولى قبل الميلاد.
فعلى سبيل المثال، أعطت نتائج التأريخ بالكربون المشع المُستخرجة من المنطقة 1 نطاقين زمنيين تمت معايرتهما، أحدهما بين 794 و551 قبل الميلاد، والآخر بين 796 و567 قبل الميلاد. وتعد هذه النتائج واسعة للغاية ولا تكفي لتوضيح التطور الداخلي للموقع، لأنها تغطي قسماً كبيراً من الفترة التي كانت معروفة أصلاً من خلال المقارنات الفخارية.
وللتغلب على هذه المشكلة، استخدم الباحثون التأريخ المغناطيسي الأثري. وتعتمد هذه الطريقة على أن المواد الأثرية التي تعرضت لحرارة عالية يمكن أن تحتفظ بسجل للمجال المغناطيسي الأرضي وقت تسخينها آخر مرة. ومن خلال مقارنة هذه الإشارة المغناطيسية بنماذج إقليمية لتغير المجال المغناطيسي في الماضي، يمكن تقدير زمن حدوث التسخين.
وقد استخدمت الدراسة نوعين من الأدلة. جاء الأول من عمودين في موقعهما الأصلي تابعين للفرن 1K3 في المنطقة 1، وذلك لقياس الاتجاهات المغناطيسية. أما البيانات الجديدة، فاستُخدمت من شظايا فخارية مختارة من رواسب عميقة، بهدف قياس شدة المجال المغناطيسي القديم.
أما الفرن، فقد كان عبارة عن بنية مستطيلة الشكل تبلغ أبعادها حوالي 3.2 × 1.8 متر. ولا تزال وظيفته الدقيقة غير مؤكدة، إذ ربما استُخدم لإنتاج الملح أو حرق الفخار أو نشاط آخر. ومع ذلك، فقد وفرت عناصره المتعرضة للحرارة مادة مناسبة للتحليل المغناطيسي الأثري.
وبالنتيجة، أعطت الاتجاهات المغناطيسية المسجلة في عمودي الفرن نطاقين زمنيين محتملين، هما 930–755 قبل الميلاد و740–700 قبل الميلاد. وعند دمج هذه النتائج مع الأدلة الأثرية والفخارية، بدا أن النطاق الثاني هو الأكثر توافقاً مع تاريخ استخدام الموقع.
كما قدمت الكسر الفخارية نتائج مفيدة، وإن كان نطاقها الزمني أوسع، لأنها اعتمدت على شدة المجال المغناطيسي فقط، لا على بيانات الاتجاه الكاملة. حيث أعطت عينتان نطاقات زمنية متوافقة مع السياق الأثري، منها 790–680 قبل الميلاد و715–545 قبل الميلاد.
وأعاد الباحثون أيضاً دراسة الفخار من الوحدة الطبقية 138 ومن خندق اختباري يُعرف باسم "السبر الثاني". حيث أشارت المقارنات الشكلية إلى أن الوحدة 138 تعود إلى نحو 725 قبل الميلاد، بينما يُرجح أن السبر الثاني يعود إلى الفترة بين نحو 725 و700 قبل الميلاد.
ومن خلال الجمع بين نتائج كل من التأريخ المغناطيسي الأثري والتأريخ الفخاري والتأريخ بواسطة الكربون المشع، تمكنت الدراسة من تقسيم التسلسل الزمني للمنطقة 1 إلى ثلاث مراحل. تمثل المرحلة A، بين نحو 725 و710 قبل الميلاد، وهي فترة الاستخدام النشط للمنطقة، وربما كان ذلك لإنتاج الملح. أما المرحلة B، بين نحو 710 و550 قبل الميلاد، فتشير إلى تغير وظيفة المنطقة وتحولها إلى مكب لمخلفات الإنتاج، وربما أيضاً لمواد أُزيلت من قناة قريبة. وتمثل المرحلة C، بين نحو 550 و525 قبل الميلاد، فترة هجر المنطقة 1 قبل التخلي الكامل عن موقع بيسكينا تورتا بأكمله.
وتشير النتائج أيضاً إلى أن النشاط في المنطقة 1 ربما بدأ قبل التاريخ الذي اقترحته المسوحات السطحية السابقة، والتي حددت تاريخ الموقع بين نحو 675 و525 قبل الميلاد. فقد أظهرت الطبقات الأعمق أن منطقة الإنتاج كانت نشطة بالفعل في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد.
ولا تكمن أهمية الدراسة في تأريخ موقع بيسكينا تورتا فحسب، بل في كونها إضافة علمية مفيدة في مجال التأريخ الأثري عموماً. فهي توضح أن التأريخ المغناطيسي الأثري يمكن أن يحسن الدقة الزمنية في الفترات التي يصبح فيها الكربون المشع محدوداً بسبب مشاكل المعايرة.
ومن ناحية أخرى، تقدم الدراسة تسلسلاً زمنياً أكثر دقة لأحد أقدم مواقع إنتاج الملح في وسط إيطاليا. كما تبين أن الجمع بين الأدلة المغناطيسية والفخارية وتلك المتعلقة بالكربون المشع يمكنها أن تُنتج تسلسلاً زمنياً أقوى وأكثر موثوقية من أي طريقة منفردة.
تاريخ النشر: 09-07-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: PLOS One